أولاده . ومعنى الميراث هنا أنه قام مقامه في ذلك ، فأطلق عليه اسم الإرث ، كما
أطلق على الجنة اسم الإرث ، عن الجبائي . وهذا خلاف للظاهر ، والصحيح عند
أهل البيت عليه السلام هو الأول . ( وقال ) سليمان مظهرا لنعمة الله ، وشاكرا إياها : ( يا
أيها الناس علمنا منطق الطير ) أهل العربية يقولون : إنه لا يطلق النطق على غير بني
آدم ، وإنما يقال الصوت ، لأن النطق عبارة عن الكلام ، ولا كلام للطير ، إلا أنه لما
فهم سليمان معنى صوت الطير ، سماه منطقا مجازا . وقيل : إنه أراد حقيقة المنطق ،
لأن من الطير ما له كلام مهجى كالطيطوى . قال المبرد : العرب تسمي كل مبين عن
نفسه ناطقا ومتكلما . قال رؤبة :
لو أنني أعطيت علم الحكل * علم سليمان ، كلام النمل
والحكل : ما لا يسمع له صوت : وقال علي بن عيسى : إن الطير كانت تكلم
سليمان معجزة له ، كما أخبر عن الهدهد . ومنطق الطير : صوت يتفاهم به معانيها ،
على صيغة واحدة ، بخلاف منطق الناس الذي يتفاهمون به المعاني على صيغ
مختلفة ، ولذلك لم نفهم عنها مع طول مصاحبتها ، ولم تفهم هي عنا ، لأن أفهامها
مقصورة على تلك الأمور المخصوصة . ولما جعل سليمان يفهم عنها ، كان قد علم
منطقها .
( وأوتينا من كل شئ ) أي : من كل شئ يؤتى الأنبياء والملوك . وقيل : من
كل ما يطلبه طالب لحاجته إليه ، وانتفاعه به . وقيل : من كل شئ علما وتسخيرا في
كل ما يصلح أن يكون معلوما لنا ، أو مسخرا لنا ، غير أن مخرجه مخرج العموم ،
فيكون أبلغ وأحسن . وروى الواحدي بالإسناد عن محمد بن جعفر بن محمد ، عن
أبيه عليه السلام قال : أعطي سليمان بن داود ملك مشارق الأرض ومغاربها ، فملك سبعمائة
سنة وستة أشهر ، ملك أهل الدنيا كلهم من الجن والإنس والشياطين والدواب والطير
والسباع . وأعطي علم كل شئ ، ومنطق كل شئ ، وفي زمانه صنعت الصنائع
المعجبة التي سمع بها الناس ، وذلك قوله : ( علمنا منطق الطير وأوتينا من كل
شئ ) .
( إن هذا لهو الفضل المبين ) أي : هذا فضل الله الظاهر الذي لا يخفى على
أحد ، وهذا قول سليمان على وجه الاعتراف بنعم الله عليه . ويحتمل أن يكون قول
الله سبحانه على وجه الإخبار بأن ما ذكره هو الفضل المبين . ( وحشر لسليمان
تفسير مجمع البيان — صفحة 369
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٦٩