المتقدمون أي : والذين كان آباؤكم يعبدونهم . وإنما دخل لفظة كان ، لأنه جمع بين
الحال والماضي . ( فإنهم عدو لي ) معناه : إن عبادة الأصنام مع الأصنام ، عدو لي
إلا أنه غلب ما يعقل . وقيل : إنه يعني الأصنام . وإنما قال : ( فإنهم ) فجمعها
جمع العقلاء ، لما وصفها بالعداوة التي لا تكون إلا من العقلاء ، وجعل الأصنام
كالعدو في الضرر من جهة عبادتها . ويجوز أن يكون قال ( فإنهم ) : لأنه كان منهم من
يعبد الله مع عبادته الأصنام ، فغلب ما يعقل ، ولذلك استثنى فقال : ( إلا رب
العالمين ) استثناء من جميع المعبودين . قال الفراء : إنه من المقلوب ، والمعنى فإني
عدو لهم ، ومن عاديته فقد عاداك .
ثم وصف رب العالمين فقال : ( الذي خلقني ) وأخرجني من العدم إلى الوجود
( فهو يهديني ) أي : يرشدني إلى ما فيه نجاتي . وقيل : الذي خلقني لطاعته ، فهو
يهديني إلى جنته ( والذي هو يطعمني ويسقيني وإذا مرضت فهو يشفيني ) معناه : إنه
يرزقني ما أتغذى به ، ويفعل ما يصح بدني ( والذي يميتني ثم يحييني ) أي : يميتني
بعد أن كنت حيا ، ويحييني يوم القيامة بعد أن أكون ميتا ( والذي أطمع أن يغفر لي
خطيئتي يوم الدين ) أي : يوم الجزاء . وإنما قال ذلك على سبيل الانقطاع منه إلى
الله تعالى ، لا على سبيل أن له خطيئة يحتاج إلى أن يغفر له يوم القيامة ، لأن عندنا
لا يجوز أن يقع من الأنبياء شئ من القبائح . وعند جميع أهل العدل ، وإن جوزوا
عليهم الصغائر ، فإنها تقع عندهم محبطة مكفرة ، فليس شئ منها غير مغفور ،
فيحتاج إلى أن يغفر يوم القيامة . وقيل : معناه أطمع أن يغفر لمن يشفعني فيه ،
فأضافه إلى نفسه ، كقوله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم : ( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما
تأخر ) . وإنما قال : ( وإذا مرضت ) فأضاف المرض إلى نفسه ، وإن كان من الله ،
استعمالا لحسن الأدب . فإن المقصود شكر نعمة الله تعالى ، ولو كان المقصود بيان
القدرة لأضافه إلى الله تعالى ، ونظيره قول الخضر عليه السلام : ( فأردت أن أعيبها ) ، ثم
قال : ( فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ) وإنما حذف الياءات لأنه رؤوس الآيات . وهذا
الكلام من إبراهيم عليه السلام إنما صدر على وجه الإحتجاج على قومه ، والإخبار بأنه لا
يصلح للإلهية إلا من فعل هذه الأفعال .
ثم حكى الله عنه أنه سأله وقال : ( رب هب لي حكما ) والحكم بيان الشئ
على ما تقتضيه الحكمة . وقيل : إنه العلم ، عن ابن عباس ، يعني علما إلى علم ،
تفسير مجمع البيان — صفحة 336
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٣٦