معناه أن لا يؤتوا فحذف ( لا ) أي : لا يحلفوا أن لا يؤتوا . وقيل : لا يقصروا أن
يؤتوا ، ولا يتركوا جهدا في الانفاق على أقربائهم ( والمساكين والمهاجرين في سبيل
الله ) وقد أجتمع في مسطح الصفات الثلاث : كان قرينا لأبي بكر ، مسكينا ،
مهاجرا . قال الجبائي : وفي قصة مسطح دلالة على أنه قد يجوز أن تقع المعاصي
ممن شهد بدرا بخلاف قول النوائب .
( وليعفوا وليصفحوا ) هذا أمر من الله تعالى للمرادين بالآية بالعفو عمن أساء
إليهم ، والصفح عنهم . وقال لهم : ( ألا تحبون أن يغفر الله لكم ) معاصيكم جزاء
على عفوكم وصفحكم عمن أساء إليكم ( والله غفور رحيم إن الذين يرمون
المحصنات ) أي : يقذفون العفائف من النساء ( الغافلات ) عن الفواحش
( المؤمنات ) بالله ، ورسوله ، واليوم الآخر . ( لعنوا في الدنيا والآخرة ) أي : أبعدوا
من رحمة الله في الدارين . وقيل : استحقوا اللعنة فيهما . وقيل عذبوا في الدنيا
بالجلد ، ورد الشهادة ، وفي الآخرة بعذاب النار . ( ولهم ) مع ذلك ( عذاب عظيم )
وهذا الوعيد عام لجميع المكلفين ، عن ابن عباس ، وابن زيد .
( يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ) بين الله
سبحانه أن ذلك العذاب يكون في يوم تشهد ألسنتهم فيه عليهم بالقذف ، وسائر
أعضائهم بمعاصيهم . وفي كيفية شهادة الجوارح أقوال أحدها : إن الله تعالى يبنيها
بنية يمكنها النطق والكلام من جهتها ، فتكون ناطقة . والثاني : إن الله تعالى يفعل
فيها كلاما يتضمن الشهادة ، فيكون المتكلم هو الله دون الجوارح . وأضيف الكلام
إليها على التوسع ، لأنها محل الكلام . والثالث : إن الله تعالى يجعل فيها علامة
تقوم مقام النطق بالشهادة . وأما شهادة الألسن فبأن يشهدوا بألسنتهم إذا رأوا أنه لا
ينفعهم الجحود .
وأما قوله : ( اليوم نختم على أفواههم ) فإنه يجوز أن تخرج الألسنة ، ويختم
على الأفواه . ويجوز أن يكون الختم على الأفواه في حال شهادة الأيدي والأرجل .
( يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ) أي : يعلمون الله لهم جزاءهم الحق . فالدين هنا
بمعنى الجزاء . ويجوز أن يكون المراد جزاء دينهم الحق ، فحذف المضاف ، وأقام
المضاف إليه مقامه . ( ويعلمون أن الله هو الحق ) أي : يعلمون الله ضرورة في ذلك
اليوم ، ويقرون أنه الحق ، لأنه يقضي بالحق ، ويعطي بالحق ، ويأخذ بالحق .
تفسير مجمع البيان — صفحة 235
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٣٥