القول الذي أنزل عليه . فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : أبشري يا عائشة . أما
الله فقد برأك . فقالت لي أمي : قومي إليه . فقلت : والله لا أقوم إليه ، ولا أحمد إلا
الله ، فهو الذي أنزل براءتي . فأنزل الله تعالى : ( إن الذين جاؤوا بالإفك ) الآيات
العشر .
المعنى : ( إن الذين جاؤوا بالإفك ) أي : بالكذب العظيم الذي قلب فيه الأمر
عن وجهه ( عصبة منكم ) أيها المسلمون . قال ابن عباس ، وعائشة : منهم عبد
الله بن أبي سلول ، وهو الذي تولى كبره ، ومسطح بن أثاثة ، وحسان بن ثابت ،
وحمنة بنت جحش . ( لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم ) هذا خطاب لعائشة
وصفوان ، لأنهما قصدا بالإفك ، ولمن اغتم بسبب ذلك ، وخطاب لكل من رمي
بسبب ، عن ابن عباس أي : لا تحسبوا غم الإفك شرا لكم ، بل هو خير لكم ، لأن
الله تعالى يبرئ عائشة ، ويأجرها بصبرها واحتسابها ، ويلزم أصحاب الإفك ما
استحقوه بالإثم الذي ارتكبوه في أمرها . وقال الحسن : هذا خطاب للقاذفين من
المؤمنين ، والمعنى : لا تحسبوا أيها القذفة هذا التأديب شرا لكم ، بل هو خير
لكم ، فإنه يدعوكم إلى التوبة ، ويمنعكم عن المعاودة إلى مثله .
( لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ) أي : لكل امرئ من القذفة جزاء ما
اكتسبه من الإثم ، بقدر ما خاض وأفاض فيه . وقيل : معناه على كل امرئ منهم
عقاب ما اكتسب ، كقوله : ( وإن أسأتم لها ) أي : فعليها . ( والذي تولى كبره )
أي : تحمل معظمه ( منهم له عذاب عظيم ) المراد به عبد الله بن أبي سلول أي :
فإنه كان رأس أصحاب الإفك ، كان يجتمع الناس عنده ، ويحدثهم بحديث الإفك ،
ويشيع ذاك بين الناس ، ويقول : قال امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ، ثم
جاء يقودها ، والله ما نجت منه ، ولا نجا منها . والعذاب العظيم : عذاب جهنم في
الآخرة . وقيل : المراد به مسطح بن أثاثة . وقيل : حسان بن ثابت ، فإنه روي أنه
دخل على عائشة بعد ما كف بصره ، فقيل لها : إنه يدخل عليك ، وقد قال فيك ما
قال وقد قال الله تعالى ( والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) فقالت عائشة :
أليس قد كف بصره ، فأنشد حسان قوله فيها :
حصان ، رزان ، فاتزن بريبة ، * وتصبح غرثى من لحوم الغوافل ( 1 )
هامش
( 1 ) الحصان هنا : العفيفة . والرزان : الملازمة موضعها التي لا تتصرف كثيرا . وامرأة رزان : إذا
كانت ذات ثبات ووقار . وما تزن : أي ما تتهم . وغرثى أي : جائعة . والغوافل جمع غافلة .
يريد انها لا ترتع في أعراض الناس .