يكون بنية صادقة خالصة لله تعالى . وقال السدي : هو أن يطاع فلا يعصى . وقال
الضحاك : معناه جاهدوا بالسيف من كفر بالله ، وإن كانوا الآباء والأبناء . وروي عن
عبد الله بن المبارك أنه قال : هو مجاهدة الهوى والنفس .
( هو اجتباكم ) أي : اختاركم واصطفاكم لدينه ( وما جعل عليكم في الدين من
حرج ) أي : من ضيق لا مخرج منه ، ولا مخلص من عقابه ، بل جعل التوبة ،
والكفارات ، ورد المظالم ، مخلصا من الذنوب ، فليس في دين الاسلام ما لا سبيل
إلى الخلاص من العقاب به ، فلا عذر لأحد في ترك الاستعداد للقيامة . وقيل : معناه
أن الله سبحانه لم يضيق عليكم أمر الدين ، فلن يكلفكم ما لا تطيقون ، بل كلف دون
الوسع ، فلا عذر لكم في تركه . وقيل : إنه يعني الرخص عند الضرورات كالقصر
والتيمم وأكل الميتة عن الكلبي ومقاتل ، واختاره الزجاج .
( ملة أبيكم إبراهيم ) أي : دينه . لأن ملة إبراهيم داخلة في ملة
محمد صلى الله عليه وآله وسلم . وإنما سماه أبا للجميع ، لأن حرمته على المسلمين كحرمة الوالد على
الولد ، كما قال : ( وأزواجه أمهاتهم ) عن الحسن . وقيل : إن العرب من ولد
إسماعيل ، وأكثر العجم من ولد إسحاق ، وهما ابنا إبراهيم ، فالغالب عليهم أنهم
أولاده . ( هو سماكم المسلمين ) أي : الله سماكم المسلمين ، عن ابن عباس ،
ومجاهد . وقيل : هو كناية عن إبراهيم ، عن ابن زيد قال : ويدل عليه قوله : ( ومن
ذريتنا أمة مسلمة لك ) .
( من قبل ) أي : من قبل إنزال القران ( وفي هذا ) أي : وفي هذا القرآن
( ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ) أي : ليكون
محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، شهيدا عليكم بالطاعة والقبول ، فإذا شهد لكم به ، صرتم عدولا
تشهدون على الأمم الماضية ، بأن الرسل قد بلغوهم رسالة ربهم ، وأنهم لم يقبلوا ،
فيوجب لكافرهم النار ، ولمؤمنهم الجنة بشهادتكم . وهذا من أشرف المراتب ، وهو
مثل قوله : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) الآية . وقيل : معناه ليكون الرسول شهيدا
عليكم في إبلاغ رسالة ربه إليكم ، وتكونوا شهداء على الناس بعده بان تبلغوا إليهم ما
بلغه الرسول إليكم .
( فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) قال قتادة : فريضتان واجبتان افترضهما الله
عليكم ، فأدوهما إلى الله . وروى عبد الله بن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( لا تقبل
تفسير مجمع البيان — صفحة 173
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٧٣