والخلود فيها ، وما وعدنا به المؤمنين من الجنة ، والكون فيها . وقيل . معناه إن في
هذا القرآن ودلائله ( لبلاغا ) أي : كفاية ووصلة إلى البغية . والبلاغ : سبب الوصول
إلى الحق ( لقوم عابدين ) لله مخلصين له . قال كعب : هم أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذين
يصلون الصلوات الخمس ، ويصومون شهر رمضان ، سماهم عابدين . ( وما
أرسلناك ) يا محمد ( إلا رحمة للعالمين ) أي : نعمة عليهم . قال ابن عباس : رحمة
للبر والفاجر ، والمؤمن والكافر ، فهو رحمة للمؤمن في الدنيا والآخرة ، ورحمة للكافر
بأن عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والمسخ ، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال
لجبرائيل لما نزلت هذه الآية : " هل أصابك من هذه الرحمة شئ ؟ قال . نعم إني
كنت أخشى عاقبة الأمر ، فآمنت بك لما أثنى الله علي بقوله ( ذي قوة عند ذي العرش
مكين ) " وقد قال : " إنما أنا رحمة مهداة " .
وقيل : إن الوجه في أنه نعمة على الكافر أنه عرضه للإيمان والثواب الدائم ،
وهداه وإن لم يهتد كمن قدم الطعام إلى جائع فلم يأكل ، فإنه منعم عليه ، وإن لم
يقبل . وفي الآية دلالة على بطلان قول أهل الجبر في أنه ليس لله على الكافر نعمة ،
لأنه سبحانه بين أن في إرسال محمد صلى الله عليه وآله وسلم نعمة على العالمين ، وعلى كل من أرسل
إليهم . ثم قال له عليه السلام : ( قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم
مسلمون ) أي : مستسلمون منقادون لذلك ، بأن تتركوا عبادة غير الله . وقيل معناه
الأمر أي أسلموا كقوله ( فهل أنتم منتهون ) أي : انتهوا .
( فإن تولوا ) أي : أعرضوا ، ولم يسلموا ( فقل آذنتكم ) أي : أعلمتكم
بالحرب ( على سواء ) أي : إيذانا على سواء إعلاما نستوي نحن وأنتم في علمه ، لا
استيذانا به دونكم لتتأهبوا لما يراد بكم . ومثله قوله : ( فانبذ إليهم على سواء )
وقيل : معناه أعلمتكم بما يجب الإعلام به على سواء في الإيذان ، لم أبين الحق
لقوم دون قوم ، ولم أكتمه لقوم دون قوم . وفي هذا دلالة على بطلان قول أصحاب
الرموز ، وأن للقرآن بواطن خص بالعلم بها أقوام ( وإن أدري ) أي : وما أدري
( أقريب أم بعيد ما توعدون ) يعني أجل يوم القيامة . فإن الله تعالى هو العالم
بذلك . وقيل : معناه آذنتكم بالحرب ، ولا أدري متى أؤذن فيه . ( إنه يعلم الجهر من
القول ويعلم مما تكتمون ) أي : أن الله يعلم السر والعلانية ( وإن أدري ) أي : وما
أدري ( لعله ) كناية عن غير مذكور ( فتنة لكم ) أي : لعل ما آذنتكم به اختبار لكم ،
تفسير مجمع البيان — صفحة 121
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٢١