تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
عقبه سبحانه بالأمر بالوفاء بالعهد ، والنهي عن نقض الإيمان ، فقال : * ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ) * قال ابن عباس : الوعد من العهد ، وقال المفسرون : العهد الذي يجب الوفاء به . والوعد هو الذي يحسن فعله ، وعاهد الله ليفعلنه ، فإنه يصير واجبا عليه . * ( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) * : هذا نهي منه سبحانه عن نكث الأيمان ، وهو أن ينقضها بمخالفة موجبها ، وارتكاب ما يخالف عقدها . وقوله * ( بعد توكيدها ) * أي : بعد عقدها ، وإبرامها ، وتوثيقها ، باسم الله تعالى . وقيل : بعد تشديدها وتغليظها بالعزم والعقد على اليمين ، بخلاف لغو اليمين ، عن أبي مسلم . * ( وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ) * أي : حسيبا فيما عاهدتموه عليه ، وقيل : كفيلا بالوفاء ، وذلك أن من حلف بالله فكأنه أكفل الله بالوفاء بما حلف . وقيل : إنه قولهم الله علي كفيل ، أو وكيل . وقيل : أراد به أن الكفيل بالشئ يكون حفيظا له ، والإنسان إنما يؤكد الأمر على نفسه بذكر اسم الله تعالى على جهة اليمين ، ليحفظ سبحانه ذلك الأمر * ( إن الله يعلم ما تفعلون ) * من نقض العهد والوفاء به ، فإياكم أن تلقوه ، وقد نقضتم . وهذه الآية نزلت في الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الاسلام ، فقال سبحانه للمسلمين الذين بايعوه : لا يحملنكم قلة المسلمين وكثرة المشركين على نقض البيعة ، فإن الله حافظكم أي : اثبتوا على ما عاهدتم عليه الرسول ، وأكدتموه بالأيمان . وقيل : نزلت في قوم خالفوا قوما ، فجاءهم قوم ، وقالوا : نحن أكثر منهم ، وأعز ، وأقوى ، فانقضوا ذلك العهد ، وحالفونا . * ( ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة ) * أي : لا تكونوا كالامرأة التي غزلت ، ثم نقضت غزلها من بعد إمرار وفتل للغزل ، وهي امرأة حمقاء من قريش ، كانت تغزل مع جواريها إلى انتصاف النهار ، ثم تأمرهن أن ينقضن ما غزلن ، ولا يزال ذلك دأبها ، واسمها ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة ، وكانت تسمى خرقاء مكة ، عن الكلبي . وقيل : إنه مثل ضربه الله تعالى ، شبه فيه حال ناقض العهد ، بمن كان كذلك * ( أنكاثا ) * جمع نكث : وهو الغزل من الصوف والشعر ، يبرم ، ثم ينكث ، وينقض ، ليغزل ثانية * ( تتخذون أيمانكم دخلا بينكم ) * أي : دخلا وخيانة ومكرا ، وذلك أنهم كانوا يخلفون في عهودهم ، ويضمرون الخيانة . وكان الناس يسكنون إلى عهدهم ، ثم ينقضون العهد ، فقد اتخذوا أيمانهم