تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
وما عبدوهم من دون الله ، لأمر الله ، وانقادوا لحكمه يومئذ ، عن قتادة . وقيل : معناه إن المشركين زال عنهم نخوة الجاهلية ، وانقادوا قسرا لا اختيارا ، واعترفوا بما كانوا ينكرونه من توحيد الله تعالى ، * ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) * أي : بطل ما كانوا يأملونه ويتمنونه من الأماني الكاذبة من أن آلهتهم تشفع لهم ، وتنفع * ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ) * أي أعرضوا عن دين الله . وقيل : صدوا غيرهم عن اتباع الحق الذي هو سبيل الله . وقيل : صد المسلمين عن البيت الحرام ، عن أبي مسلم . * ( زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون ) * أي : عذبناهم على صدهم عن دين الله زيادة على عذاب الكفر . وقيل : زدناهم الأفاعي والعقارب في النار ، لها أنياب كالنخل الطوال ، عن ابن مسعود . وقيل : هي أنهار من صفر مذاب كالنار يعذبون بها ، عن ابن عباس ، ومقاتل . وقيل : زيدوا حياة كأمثال الفيلة ، والبخت ، وعقارب كالبغال الدلم ، عن سعيد بن جبير . * ( ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم ) * أي : من أمثالهم من البشر ، ويجوز أن يكون ذلك الشهيد نبيهم الذي أرسل إليهم . ويجوز أن يكون المؤمنون العارفون يشهدون عليهم بما فعلوه من المعاصي . وفي هذا دلالة على أن كل عصر لا يجوز أن يخلو ممن يكون قوله حجة على أهل عصره ، وهو عدل عند الله تعالى ، وهو قول الجبائي ، وأكثر أهل العدل . وهذا يوافق ما ذهب إليه أصحابنا ، وإن خالفوهم في أن ذلك العدل والحجة منه هو * ( وجئنا بك ) * يا محمد * ( شهيدا على هؤلاء ) * يريد على قومك وأمتك . وإنما أفرده بالذكر تشريفا له . وتم الكلام هاهنا . ثم قال سبحانه : * ( ونزلنا عليك الكتاب ) * يعني القرآن * ( تبيانا لكل شئ ) * أي : بيانا لكل أمر مشكل ، ومعناه : ليبين كل شئ يحتاج إليه من أمور الشرع ، فإنه ما من شئ يحتاج الخلق إليه في أمر من أمور دينهم ، إلا وهو مبين في الكتاب ، إما بالتنصيص عليه ، أو بالإحالة على ما يوجب العلم من بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم والحجج القائمين مقامه ، أو إجماع الأمة ، فيكون حكم الجميع في الحاصل مستفادا من القرآن * ( وهدى ورحمة ) * أي : ونزلنا عليك القرآن دلالة إلى الرشد ، ونعمة على الخلق ، لما فيه من الشرائع والأحكام ، ولأنه يؤذي إلى نعم الآخرة . * ( وبشرى للمسلمين ) * أي : بشارة لهم بالثواب الدائم ، والنعيم المقيم * ( إن الله يأمر بالعدل ) * وهو الانصاف بين الخلق ، والتعامل بالاعتدال الذي ليس فيه ميل ، ولا