وتواضع الجودي ، وهو جبل بالموصل . فضرب جؤجؤ السفينة الجبل ، فقال نوح عند
ذلك : يا مريا أتقن ، وهو بالعربية يا رب أصلح . وفي رواية أخرى يا رهمان أتقن .
وتأويله : يا رب أحسن . وقيل : أرست السفينة على الجودي شهرا .
( وقيل بعدا للقوم الظالمين ) أي : قال الله تعالى ذلك ، ومعناه : أبعد الله
الظالمين من رحمته ، لايرادهم أنفسهم مورد الهلاك . وإنما انتصب على المصدر ،
وفيه معنى الدعاء . ويجوز أن يكون هذا من قول الملائكة ، أو من قول نوح
والمؤمنين . وفي هذه الآية من بدائع الفصاحة ، وعجائب البلاغة ، ما لا يقارب كلام
البشر ، ولا يدانيه منها أنه خرج مخرج الأمر ، وإن كانت الأرض والسماء من
الجماد ، ليكون أدل على الاقتدار . ومنها : حسن تقابل المعنى ، وائتلاف الألفاظ .
ومنها : حسن البيان في تصوير الحال . ومنها : الإيجاز من غير إخلال ، إلى غير
ذلك مما يعلمه من تدبره ، وله معرفة بكلام العرب ، ومحاوراتهم . ويروى أن كفار
قريش أرادوا أن يتعاطوا معارضة القرآن ، فعكفوا على لباب البر ، ولحوم الضأن ،
وسلاف الخمر ، أربعين يوما ، لتصفو أذهانهم . فلما أخذوا فيما أرادوا سمعوا هذه
الآية ، فقال بعضهم لبعض : هذا كلام لا يشبهه شئ من الكلام ، ولا يشبه كلام
المخلوقين . وتركوا ما أخذوا فيه ، وافترقوا .
( ونادا نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت
أحكم الحاكمين ( 45 ) قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن
ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ( 46 ) قال رب إني أعوذ بك
أن أسئلك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين ( 47 ) قيل
يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم
سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ( 48 ) تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك
ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين ( 49 ) .
القراءة : قرأ الكسائي ، ويعقوب ، وسهل : ( أنه عمل غير صالح ) على
تفسير مجمع البيان — صفحة 282
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٨٢