الحق ، وكل ظالم باخس لأنه يظلم غيره بنقصان حقه ، وفي المثل ( تحسبها حمقاء ،
وهي باخس ) .
الاعراب : قال الفراء : ( كان ) هذه هنا زائدة ، وتقديره من يرد الحياة الدنيا .
وقال غيره : معناه أن يصح أنه كان كقوله سبحانه : ( إن كان قميصه قد من دبر ) ولا
يجوز مثل ذلك في غير كان ، لأنها أم الأفعال . قال أبو علي : الشرط والجزاء لا
يقعان إلا فيما يستقبل ، فحرف الجزاء يحيل معنى الماضي إلى الاستقبال لا محالة ،
ولو جاز وقوع الماضي بعدها على معناها ، لما جزمت . ألا ترى أن ( لو ) لم تجزم ،
وإن كان فيها معنى الشرط والجزاء ، لوقوع الماضي بعدها على بابه ، نحو : لو
جئتني أمس لأكرمتك .
المعنى : ( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ) أي : زهرتها وحسن بهجتها ،
ولا يريد الآخرة ( نوف إليهم أعمالهم فيها ) أي : نوفر عليهم جزاء أعمالهم في الدنيا
تاما ( وهم فيها لا يبخسون ) أي : لا ينقصون شيئا منه . واختلف في معناه ، فقيل :
إن المراد به المشركون الذين لا يصدقون بالبعث ، يعملون أعمال البر كصلة الرحم ،
وإعطاء السائل ، والكف عن الظلم ، وإغاثة المظلوم ، والأعمال التي يحسنها
العقل ، كبناء القناطير ونحوه ، فإن الله يعجل لهم جزاء أعمالهم في الدنيا بتوسيع
الرزق ، وصحة البدن ، والإمتاع بما خولهم ، وصرف المكاره عنهم ، عن الضحاك ،
وقتادة ، وابن عباس . ويقال : ان من مات منهم على كفره ، قبل استيفاء العوض ،
وضع الله عنه في الآخرة من العذاب بقدره فأما ثواب الآخرة فلا حظ لهم فيه . وقيل :
المراد به المنافقون الذين كانوا يغزون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم للغنيمة ، دون نصرة الدين ،
وثواب الآخرة ، جازاهم الله تعالى على ذلك ، بأن جعل لهم نصيبا في الغنيمة ، عن
الجبائي . وقيل : إن المراد به أهل الرياء ، فإن من عمل عملا من أعمال الخير ،
يريد به الرياء ، لم يكن لعمله ثواب في الآخرة ، ومثله قوله تعالى : ( ومن كان يريد
حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ) وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
قال : بشروا أمتي بالسناء والتمكين في الأرض ، ومن عمل منهم عملا للدنيا ، لم
يكن له نصيب في الآخرة .
( أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار ) ظاهر المراد ( وحبط ما صنعوا
فيها ) فلا يستحقون عليه ثوابا ، لأنهم أوقعوه على خلاف الوجه المأمور بإيقاعه عليه
تفسير مجمع البيان — صفحة 252
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٥٢