قتل فيه المنذر بن عمرو ، ثم قاتل القوم حتى قتل ، وأخذوا عمرو بن أمية أسيرا .
فلما أخبرهم أنه من ضمر ، أطلقه عامر بن الطفيل ، وجز ناصيته وأعتقه عن
رقبة زعم أنها كانت على أبيه . فقدم عمرو بن أمية على رسول الله ، وأخبره الخبر ،
فقال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " : هذا عمل أبي براء ، وقد كنت لهذا كارها متخوفا . فبلغ
ذلك أبا براء ، فشق عليه إخفار عامر إياه ، وما أصاب رسول الله بسببه . فقال
حسان بن ثابت ، يحرض أبا براء على عامر بن الطفيل :
بني أم البنين ألم يرعكم ، * وأنتم من ذوائب أهل نجد ( 1 )
تهكم عامر بأبي براء * ليخفره ، وما خطأ كعمد ( 2 )
ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي ، * فما أحدثت في الحدثان بعدي
أبوك ، أبو الحروب ، أبو براء ، * وخالك ماجد حكم بن سعد
وقال كعب بن مالك :
لقد طارت شعاعا كل وجه * خفارة ما أجار أبو براء
بني أم البنين أما سمعتم * دعاء المستغيث مع النساء
وتنوية الصريخ ؟ بلى . ولكن * عرفتم أنه صدق القاء ( 3 )
فلما بلغ ربيعة بن أبي براء قول حسان ، وقول كعب ، حمل على عامر بن
الطفيل ، وطعنه فخر عن فرسه ، فقال : هذا عمل أبي براء ، إن مت فدمي لعمي ،
ولا يتبعن سواي ( 4 ) . وإن عشت فسأرى فيه رأي قال : فأنزل الله في شهداء بئر معونة
قرآنا : بلغوا قومنا عنا بأنا قد لقينا ربنا ، فرضي عنا ، ورضينا عنه . ثم نسخت
ورفعت بعد ما قرأناها ، وأنزل الله تعالى : ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله )
ا لآية .
المعنى : لما حكى الله سبحانه قول المنافقين في المقتولين الشهداء ، تثبيطا
للمؤمنين عن جهاد الأعداء ، ذكر بعده ما أعد الله للشهداء من الكرامة ، وخصهم به
من النعيم في دار المقامة ، فقال : ( ولا تحسبن ) والخطاب للنبي ، أو يكون على
معنى : لا تحسبن أيها السامع ، أو أيها الانسان ( الذين قتلوا في سبيل الله ) أي : في
هامش
( 1 ) الذوائب : الأشراف .
( 2 ) تهكم بفلان : استهزأ به .
( 3 ) تنويه الصريخ : دعاؤه إلى القتال .
( 4 ) والظاهر " سواه " .