أصحابك إلى أهل نجد ، فدعوتهم إلى أمرك ، رجوت أن يستجيبوا لك . فقال رسول
الله " صلى الله عليه وآله وسلم " : إني أخشى عليهم أهل نجد . فقال أبو براء : أنا لهم جار فابعثهم ،
فليدعوا الناس إلى أمرك .
فبعث رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة ، في سبعين رجلا من
خيار المسلمين ، منهم : الحارث بن الصمة ، وحرام بن ملحان ، وعروة ابن اسما بن
صلت السلمي ، ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي ، وعامر بن فهيرة ، مولى أبي
بكر ، وذلك في صفر ، سنة أربع من الهجرة ، على رأس أربعة أشهر من أحد .
فساروا حتى نزلوا بئر معونة . فلما نزلوا قال بعضهم لبعض : أيكم يبلغ رسالة رسول
الله أهل هذه الماء ؟ فقال حرام بن ملحان : أنا . فخرج بكتاب رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى
عامر بن الطفيل .
فلما أتاهم لم ينظر عامر في كتاب رسول الله ، فقال حرام : يا أهل بئر معونة !
إني رسول رسول الله إليكم ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله ،
فآمنوا بالله تعالى ورسوله . فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح ، فضرب به في
جنبه ، حتى خرج من الشق الآخر . فقال : الله أكبر ، فزت ورب الكعبة .
ثم استصرخ عامر بن الطفيل بني عامر على المسلمين ، فأبوا أن يجيبوه إلى ما
دعاهم إليه ، وقالوا : لن نخفر أبا براء ( 1 ) ، قد عقد لهم عقدا وجوارا . فاستصرخ
عليهم قبائل من بني سليم : عصية ورعلا وذكوانا فأجابوه إلى ذلك ، فخرجوا حتى
غشوا القوم ، فأحاطوا بهم في رحالهم .
فلما رأوهم أخذوا السيوف فقاتلوهم ، حتى قتلوا عن آخرهم ، إلا كعب بن
زيد ، فإنهم تركوه ، وبه رمق . فارتث بين القتلى ( 2 ) ، فعاش حتى قتل يوم الخندق .
وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري ، ورجل من الأنصار ، أحد بني عمرو بن
عرف . فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير ، يحوم حول العسكر . فقالوا : والله
إن لهذا الطير لشأنا . فأقبلا لينظرا إليه ، فإذا القوم في دمائهم ، وإذا الخيل التي
أصابتهم واقفة . فقال الأنصاري لعمرو بن أمية : ماذا ترى ؟ قال : أرى أن نلحق
برسول الله فنخبره الخبر . فقال الأنصاري : لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن
هامش
( 1 ) أخفره : نقض عهده وغدره .
( 2 ) ارتث مجهولا : حمل من المعركة جريحا ، وفيه رمق .