المعنى : ثم بين تعالى أنه صدقهم وعده فقال : ( ولقد صدقكم الله وعده )
معناه : وفى الله لكم بما وعدكم من النصر على عدوكم في قوله ( بلى إن تصبروا
وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم ) الآية . وقيل : كان الوعد قول رسول
الله للرماة : لا تبرحوا هذا المكان ، فإنا لانزال غالبين ما ثبتم مكانكم ( إذ تحسونهم )
أي : تقتلونهم ( بإذنه ) أي : بعلمه . وقيل : بلطفه ، لأن أصل الإذن هو الإطلاق
في الفعل . واللطف : تيسير للفعل كما أن الإذن كذلك . فحسن إجراء اسمه عليه .
( حتى إذا فشلتم ) معناه : جبنتم عن عدوكم وكففتم . ( وتنازعتم في الأمر )
أي : اختلفتم ( وعصيتم ) أمر نبيكم في حفظ المكان ( من بعد ما أراكم ما تحبون )
من النصرة على الكفار ، وهزيمتهم ، والظفر بهم والغنيمة . وأكثر المفسرين على أن
المراد بالجميع يوم أحد . وقال أبو علي الجبائي : معناه إن تحسونهم يوم بدر حتى إذا
فشلتم يوم أحد ، وتنازعتم وعصيتم يوم أحد من بعد ما أراكم ما تحبون يوم بدر .
والأولى أن يكون حكاية عن يوم أحد ، على ما بيناه . وجواب ( إذا ) ها هنا محذوف
يدل الكلام عليه ، وتقديره : حتى إذا فعلتم ذلك ، ابتلاكم وامتحنكم ، ورفع النصرة
عنكم ( منكم من يريد الدنيا ) يعني الغنيمة ، وهم الذين أخلوا المكان الذي رتبهم
النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " فيه ، وأمرهم بلزومه .
( ومنكم من يريد الآخرة ) أراد عبد الله بن جبير ، ومن ثبت مكانه أي : يقصد
بجهاده إلى ما عند الله . وروي عن ابن مسعود قال : ما كنت أدري أن أحدا من
أصحاب رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " يريد الدنيا ، حتى نزلت فينا هذه الآية يوم أحد . ( ثم
صرفكم عنهم ) قد ذكرنا في إضافة انصرافهم إلى الله سبحانه وجوه
أحدها : إنهم كانوا فريقين : منهم من عصى بانصرافه ، ومنهم من لم يعص ،
لأنهم قلوا بعد انهزام تلك الفرقة ، فانصرفوا بإذن الله ، لئلا يقتلوا ، لأن الله تعالى
أوجب ثبات المائة للمأتين . فإذا نقصوا لا يجب عليهم ذلك . فجاز أن يذكر الفريقين
بأنه صرفهم ، وعفا عنهم : يعني صرف بعضهم ، وعفا عن بعض ، عن أبي علي
الجبائي .
وثانيها : إن معناه رفع النصرة عنكم ، ووكلكم إلى أنفسكم بخلافكم
للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " فانهزمتم ، عن جعفر بن حرب . وثالثها . إن معناه لمن يأمركم
بمعاودتهم من فورهم ، ليبتليكم بالمظاهرة في الانعام عليكم ، والتخفيف عنكم ، عن
تفسير مجمع البيان — صفحة 416
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤١٦