لما رجعت من بدر إلى مكة ، وقد أصابهم ما أصابهم من القتل والأسر ، لأنه قتل
منهم سبعون ، وأسر سبعون ، قال أبو سفيان : يا معشر قريش ! لا تدعوا نساءكم
يبكين على قتلاكم ، فان الدمعة إذا خرجت أذهبت الحزن والعداوة لمحمد . فلما
غزوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد ، أذنوا لنسائهم في البكاء والنوح ، وخرجوا من مكة
في ثلاثة آلاف فارس ، وألفي راجل ، وأخرجوا معهم النساء .
فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك ، جمع أصحابه ، وحثهم على الجهاد ، فقال
عبد الله بن أبي سلول : يا رسول الله ! لا نخرج من المدينة حتى نقاتل في أزقتها ،
فيقاتل الرجل الضعيف والمرأة والعبد والأمة ، على أفواه السكك ، وعلى السطوح .
فما أرادها قوم قط فظفروا بنا ، ونحن في حصوننا ، ودروبنا ، وما خرجنا إلى عدو لنا
قط ، الا كان الظفر لهم علينا .
فقام سعد بن معاذ وغيره من الأوس فقالوا : يا رسول الله ! ما طمع فينا أحد من
العرب ، ونحن مشركون نعبد الأصنام ، فكيف يطمعون فينا وأنت فينا ، لا حتى
نخرج إليهم فنقاتلهم ، فمن قتل منا كان شهيدا ، ومن نجا منا كان قد جاهد في سبيل
الله .
فقبل رسول الله رأيه ، وخرج مع نفر من أصحابه يتبوأون موضع القتال ، كما
قال تعالى : ( وإذ غدوت من أهلك ) الآية . وقعد عنه عبد الله بن أبي سلول ،
وجماعة من الخزرج اتبعوا رأيه ، ووافت قريش إلى أحد ، وكان رسول الله عبأ
أصحابه ، وكانوا سبع مائة رجل ، ووضع عبد الله بن جبير في خمسين من الرماة على
باب الشعب ، وأشفق أن يأتي كمينهم من ذلك المكان ، فقال لعبد الله بن جبير
وأصحابه : ان رأيتمونا قد هزمناهم حتى أدخلناهم مكة ، فلا تبرحوا من هذا المكان .
وان رأيتموهم قد هزمونا حتى أدخلونا المدينة فلا تبرحوا والزموا مراكزكم .
ووضع أبو سفيان خالد بن الوليد في مائتي فارس كمينا وقال : إذا رأيتمونا قد
اختلطنا ، فأخرجوا عليهم من هذا الشعب حتى تكونوا وراءهم . وعبأ رسول الله
أصحابه ، ودفع الراية إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، وحمل الأنصار على مشركي قريش ،
فانهزموا هزيمة قبيحة ، ووقع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سوادهم ، وانحط
خالد بن الوليد في مائتي فارس ، على عبد الله بن جبير ، فاستقبلوهم بالسهام ،
فرجع .
تفسير مجمع البيان — صفحة 377
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٧٧