( فليس من الله في شئ ) من في ( من الله ) : يتعلق بمحذوف ، وهو حال .
والعامل فيه ما يتعلق به في ، وتقديره : فليس في شئ من الله . فمن الله : في
موضع الصفة لشئ . فلما تقدمه انتصب على الحال . وقوله : ( أن تتقوا ) في محل
الجر بباء محذوف ، أو في محل النصب بحذف الباء على ما مر أمثاله .
المعنى : لما بين سبحانه أنه مالك الدنيا والآخرة ، والقادر على الإعزاز
والإذلال ، نهى المؤمنين عن موالاة من لا إعزاز عندهم ، ولا إذلال من أعدائه ،
ليكون الرغبة فيما عنده وعند أوليائه المؤمنين دون أعدائه الكافرين ، فقال : ( لا يتخذ
المؤمنون الكافرين أولياء ) أي : لا ينبغي للمؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء
لنفوسهم ، وأن يستعينوا بهم ، ويلتجئوا إليهم ، ويظهروا المحبة لهم ، كما قال في
عدة مواضع من القرآن نحو قوله : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من
حاد الله ورسوله ) الآية . وقوله : ( لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ولا تتخذوا
عدوي وعدوكم أولياء ) .
وقوله : ( من دون المؤمنين ) معناه : يجب أن يكون الموالاة مع المؤمنين ،
وهذا نهي عن موالاة الكفار ، ومعاونتهم على المؤمنين . وقيل : نهي عن ملاطفة
الكفار ، عن ابن عباس . والأولياء : جمع الولي ، وهو الذي يلي أمر من ارتضى فعله
بالمعونة والنصرة ، ويجري على وجهين أحدهما : المعين بالنصرة . والآخر :
المعان . فقوله تعالى : ( الله ولي الذين آمنوا ) معناه : معينهم بنصرته . ويقال :
المؤمن ولي الله أي : معان بنصرته . وقوله : ( ومن يفعل ذلك ) معناه من اتخذ
الكافرين أولياء من دون المؤمنين . ( فليس من الله في شئ ) أي : ليس هو من أولياء
الله ، والله برئ منه . وقيل : ليس هو من ولاية الله تعالى في شئ . وقيل : ليس
من دين الله في شئ .
ثم استثنى فقال : ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) والمعنى إلا أن يكون الكفار
غالبين ، والمؤمنون مغلوبين ، فيخافهم المؤمن إن لم يظهر موافقتهم ، ولم يحسن
العشرة معهم ، فعند ذلك يجوز له إظهار مودتهم بلسانه ، ومداراتهم تقية منه ، ودفعا
عن نفسه ، من غير أن يعتقد ذلك . وفي هذه الآية دلالة على أن التقية جائزة في
الدين عند الخوف على النفس . وقال أصحابنا : إنها جائزة في الأحوال كلها عند
الضرورة ، وربما وجبت فيها لضرب من اللطف والاستصلاح . وليس تجوز من
تفسير مجمع البيان — صفحة 273
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٧٣