ما كتب الله لكم ) فيه قولان أحدهما : أطلبوا ما قضى الله لكم من الولد ، عن الحسن
وأكثر المفسرين ، وهو أن يجامع الرجل أهله ، رجاء أن يرزقه الله ولدا يعبده ، ويسبح
له والآخر : أطلبوا ما كتب الله لكم من الحلال الذي بينه في كتابه ، فإن الله يحب أن
يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه . وقوله : ( وكلوا واشربوا ) إباحة للأكل
والشرب ( حتى يتبين لكم ) أي : ليظهر ويتميز لكم على التحقيق ( الخيط الأبيض من
الخيط الأسود ) أي : النهار من الليل ، فأول النهار : طلوع الفجر الثاني . وقيل :
بياض الفجر من سواد الليل . وقيل : بياض أول النهار من سواد آخر الليل . وإنما
شبه ذلك بالخيط ، لأن القدر الذي يحرم الإفطار من البياض يشبه الخيط فيزول به
مثله من السواد ، ولا اعتبار بالانتشار .
( من الفجر ) يحتمل - من - معنيين أحدهما : أن يكون بمعنى التبعيض ، لأن
المعنى من بعض الفجر ، وليس الفجر كله ، عن ابن دريد والآخر : إنه للتبيين لأنه
بين الخيط الأبيض فكأنه قال الخيط الأبيض الذي هو الفجر . وروي أن عدي بن
حاتم قال للنبي : إني وضعت خيطين من شعر أبيض وأسود فكنت أنظر فيهما ، فلا
يتبين لي ؟ فضحك رسول الله حتى رؤيت نواجذه ، ثم قال : يا بن حاتم ! إنما ذلك
بياض النهار وسواد الليل ، فابتداء الصوم من هذا الوقت .
ثم بين تعالى الانتهاء فقال : ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) أي : من وقت
طلوع الفجر الثاني ، وهو المستطيل المعترض الذي يأخذ الأفق ، وهو الفجر الصادق
الذي يجب عنده الصلاة إلى وقت دخول الليل ، وهو بعد غروب الشمس ، وعلامة
دخوله على الاستظهار سقوط الحمرة من جانب المشرق ، وإقبال السواد منه ، وإلا
فإذا غابت الشمس مع ظهور الآفاق في الأرض المبسوطة ، وعدم الجبال
والروابي ( 1 ) ، فقد دخل الليل . وقوله : ( ولا تباشروهن ) في معناه قولان ههنا
أحدهما : إنه أراد به الجماع ، عن ابن عباس والحسن وقتادة والثاني : إنه أراد
الجماع ، وكل ما دونه من قبلة وغيرها ، عن مالك وابن زيد وهو مذهبنا .
وقوله : ( وأنتم عاكفون في المساجد ) أي : معتكفون أي : لا تباشروهن في
حال اعتكافكم في المساجد ، والاعتكاف لا يصح عندنا إلا في أحد المساجد
الأربعة : المسجد الحرام ، ومسجد النبي ، ومسجد الكوفة ، ومسجد البصرة . وعند
هامش
( 1 ) الروابي جمع رابية : ما ارتفع من الأرض .