أن تهدي الناس بعد أن دعوتهم ، وأنذرتهم ، وبلغتهم ما أمرت بتبليغه ، ونظيره ( إن
عليك إلا البلاغ ) وليس المعنى ليس عليك أن تهديهم إلى الإيمان والطاعة ، لأنه ما
بعث إلا لذلك .
( ولكن الله يهدي من يشاء ) : إنما علق الهداية بالمشيئة لمن كان المعلوم منه
أنه يصلح باللطف أي : بلطف الله بزيادة الهدى والتوفيق لمن يشاء ، عن الزجاج وأبي
القاسم البلخي ، وأكثر أهل العلم . وقيل : معناه يهدي إلى طريق الجنة ، عن
الجبائي . ( وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ) أي : ما تنفقوا في وجوه البر من مال ،
فلأنفسكم ثوابه . والغرض فيه الترغيب في الانفاق ، لأن الانسان إذا علم منفعة إنفاقه
عائدة إليه ، مختصة به ، كان أسمح بالإنفاق ، وأرغب فيه ، وأحرص عليه ، وبذلك
يفارق عطية الله لأن المنفعة في عطائه عائدة إلى المعطي ، ومختصة به دون الله ،
ومعظم المنفعة في عطية العبد ترجع إليه ، وتختص به ، دون المعطى .
( وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ) أي : إلا طلب رضوان الله . وهذا إخبار من
الله عن صفة إنفاق المؤمنين المخلصين ، المستجيبين لله ولرسوله ، أنهم لا ينفقون ما
ينفقونه إلا طلبا لرضاء الله تعالى . وقيل : إن معناه النهي ، وإن كان ظاهره الخبر
أي : ولا تنفقوا إلا ابتغاء مرضاة الله . وفي ذكر الوجه هنا قولان أحدهما : إن المراد
به تحقيق الإضافة ، لأن ذكر الوجه يرفع الإبهام ، أنه له ولغيره ، وذلك أنك لما
ذكرت الوجه ، ومعناه النفس ، دل على أنك تصرف الوهم عن الاشتراك إلى تحقيق
الاختصاص ، وكنت بذلك محققا للإضافة ، ومزيلا لإيهام الشركة .
والثاني : إنك إذا قلت : فعلته لوجه زيد ، كان أشرف في الذكر من فعلته له ،
لأن وجه الشئ في الأصل ، أشرف ما فيه . ثم كثر حتى صار يدل على شرف الذكر
من غير تحقيق وجه ، ألا ترى أنك تقول : وجه الرأي ، ووجه الأمر ، ووجه الدليل ،
فلا تريد تحقيق الوجه ، وإنما تريد أشرف ما فيه من جهة شدة ظهوره ، وحسن بيانه .
( وما تنفقوا من خير يوف إليكم ) أي : يوفر عليكم جزاؤه وثوابه . والتوفية :
إكمال الشئ ، وإنما حسن إليكم مع التوفية ، لأنها تضمنت معنى التأدية . وقيل :
معناه تعطون جزاءه وافرا وافيا في الآخرة ، عن ابن عباس . ( وأنتم لا تظلمون ) بمنع
ثوابه ، ولا بنقصان جزائه ، كقوله : ( آتت أكلها ولم تظلم منا شيئا ) أي : لم
تنقص .
تفسير مجمع البيان — صفحة 200
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٠٠