فجرت اللفظة في فاتحة الكتاب على معنى الملك في يوم الجزاء ، وجرت في هذه
السورة على ملك تدبير من يعقل التدبير ، فكان لفظ ملك أولى هنا وأحسن . ومعناه :
ملك الناس كلهم ، وإليه مفزعهم في الحوائج .
( إله الناس ) معناه الذي يجب على الناس أن يعبدوه ، لأنه الذي تحق له
العبادة دون غيره . وإنما خص سبحانه الناس ، وإن كان سبحانه ربا لجميع الخلائق ،
لأن في الناس عظماء ، فأخبر بأنه ربهم ، وإن عظموا . ولأنه سبحانه أمر بالاستعاذة
من شرهم ، فأخبر بذكرهم أنه الذي يعيذه منهم . وفي الناس ملوك فذكر أنه ملكهم .
وفي الناس من يعبد غيره ، فذكر أنه إلههم ومعبودهم ، وأنه هو المستحق للعبادة دون
غيره .
قال جامع العلوم النحوي : وليس قوله الناس تكرارا ، لأن المراد بالأول
الأجنة ، ولهذا قال برب الناس ، لأنه يربيهم . والمراد بالثاني الأطفال ، ولذلك قال :
ملك الناس ، لأنه يملكهم . والمراد بالثالث البالغون المكلفون ، ولذلك قال : إله
الناس ، لأنهم يعبدونه . والمراد بالرابع العلماء ، لأن الشيطان يوسوس إليهم ، ولا
يريد الجهال ، لأن الجاهل يضل بجهله ، وإنما تقع الوسوسة في قلب العالم ، كما
قال : ( فوسوس إليه الشيطان ) .
وقوله ( من شر الوسواس الخناس ) فيه أقوال أحدها : إن معناه من شر
الوسوسة الواقعة من الجنة ، وقد مر بيانه وثانيها : إن معناه من شر ذي الوسواس ،
وهو الشيطان كما جاء في الأثر : " إنه يوسوس ، فإذا ذكر العبد ربه خنس " . ثم وصفه
الله تعالى بقوله ( الذي يوسوس في صدور الناس ) أي بالكلام الخفي الذي يصل
مفهومه إلى قلوبهم من غير سماع . ثم ذكر أن هذا الشيطان الذي يوسوس في صدور
الناس ( من الجنة ) ، وهم الشياطين ، كما قال سبحانه : ( إلا إبليس كان من
الجن ) . ثم عطف بقوله ( والناس ) على الوسواس ، والمعنى : من شر الوسواس ،
ومن شر الناس ، كأنه أمر أن يستعيذ من شر الجن والإنس . وثالثها : إن معناه من شر
ذي الوسواس الخناس . ثم فسره بقوله ( من الجنة والناس ) كما يقال : نعوذ بالله من
شر كل مارد من الجن والإنس . وعلى هذا فيكون وسواس الجنة ، هو وسواس
الشيطان ، على ما مضى . وفي وسواس الإنس وجهان أحدهما : إنه وسوسة الانسان
من نفسه والثاني : إغواء من يغويه من الناس . ويدل عليه قوله ( شياطين الإنس
تفسير مجمع البيان — صفحة 497
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٩٧