لا هم إن المرء يمنع رحله فامنع حلالك * لا يغلبوا بصليبهم ومحالهم عدوا محالك ( 1 )
لا يدخلوا البلد الحرام إذا فأمر ما بدا لك
ثم إن مقدمات أبرهة أصابت نعما لقريش ، فأصابت فيها مائتي بعير لعبد
المطلب بن هاشم ، فلما بلغه ذلك ، خرج حتى أتى القوم ، وكان حاجب أبرهة رجلا
من الأشعرين ، وكانت له بعبد المطلب معرفة . فاستأذن له على الملك ، وقال له :
أيها الملك ! جاءك سيد قريش الذي يطعم إنسها في الحي ، ووحشها في الجبل !
فقال له : ائذن له . وكان عبد المطلب رجلا جسيما جميلا . فلما رآه أبو يكسوم
أعظمه أن يجلسه تحته ، وكره أن يجلسه معه على سريره ، فنزل من سريره ، فجلس
على الأرض ، وأجلس عبد المطلب معه . ثم قال : ما حاجتك ؟ قال : حاجتي مائتا
بعير لي أصابتها مقدمتك . فقال أبو يكسوم : والله لقد رأيتك فأعجبتني ، ثم تكلمت
فزهدت فيك ! فقال : ولم أيها الملك ؟ قال : لأني جئت إلى بيت عزكم ، ومنعتكم
من العرب ، وفضلكم في الناس ، وشرفكم عليهم ، ودينكم الذي تعبدون ، فجئت
لأكسره ، وأصيبت لك مائتا بعير ، فسألتك عن حاجتك ، فكلمتني في إبلك ، ولم
تطلب إلي في بيتكم ؟ فقال له عبد المطلب : أيها الملك ! أنا أكلمك في مالي ،
ولهذا البيت رب هو يمنعه ، لست أنا منه في شئ . فراع ذلك أبا يكسوم ، وأمر برد
إبل عبد المطلب عليه ثم رجع .
وأمست ليلتهم تلك الليلة كالحة نجومها ، كأنها تكلمهم كلاما ، لاقترابها
منهم ، فأحست نفوسهم بالعذاب ، وخرج دليلهم حتى دخل الحرم وتركهم . وقام
الأشعرون وخثعم ، فكسروا رماحهم وسيوفهم ، وبرأوا إلى الله أن يعينوا على هدم
البيت . فباتوا كذلك بأخبث ليلة . ثم أدلجوا بسحر ، فبعثوا فيلهم يريدون أن يصبحوا
بمكة ، فوجهوه إلى مكة ، فربض . فضربوه فتمرغ . فلم يزالوا كذلك حتى كادوا أن
يصبحوا . ثم إنهم أقبلوا على الفيل ، فقالوا : لك الله أن لا نوجهك إلى مكة !
فانبعث ، فوجهوه إلى اليمن راجعا ، فتوجه يهرول . فعطفوه حين رأوه منطلقا حتى إذا
ردوه إلى مكانه الأول ربض . فلما رأوا ذلك عادوا إلى القسم . فلم يزالوا كذلك
يعالجونه حتى إذا كان مع طلوع الشمس ، طلعت عليهم الطير ، معها الحجارة ،
هامش
( 1 ) الحلال : القوم الحالون في المكان . والمحال : التدبير والقوة .