تصيح بنا حنيفة إذ رأتنا * وأي الأرض تذهب للصياح
يريد : إلى أي الأرض ، ولم يحك سيبويه من هذا إلا ذهبت الشام . وعلى
هذا جاء ( فأين تذهبون ) والمعنى : فإلى أين تذهبون . وقوله : ( إن هو إلا ذكر
للعالمين ) جواب القسم أيضا . وقوله : ( وما تشاءون ) داخل في جواب القسم
أيضا . وقوله : ( لمن شاء منكم ) : بدل من قوله : ( للعالمين ) بدل البعض من
الكل ، فإذا السورة كلها مركبة من فعل وفاعل ، ومن قسم وأجوبة .
المعنى : ثم أكد سبحانه ما تقدم بالقسم فقال : ( فلا أقسم ) أي فأقسم ولا
زائدة ، وقد ذكرنا اختلاف العلماء فيه عند قوله ( لا أقسم بيوم القيامة ) . ( بالخنس )
وهي النجوم تخنس بالنهار ، وتبدو بالليل ( والجواري ) صفة لها ، لأنها تجري في
أفلاكها ) ( الكنس ) من صفتها أيضا ، لأنها تكنس أي تتوارى في بروجها ، كما تتوارى
الظباء في كناسها ، وهي خمسة أنجم : زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد ،
عن علي ( ع ) . وقيل : معناه أنها تخنس بالنهار فتختفي ولا ترى ، وتكنس في وقت
غروبها ، فهذا خنوسها وكنوسها . وقيل : هي بقر الوحش ، عن ابن مسعود . وقيل :
هي الظباء ، عن ابن جبير .
( والليل إذا عسعس ) أي إذا أدبر بظلامه ، عن علي ( ع ) وابن عباس ومجاهد
وقتادة وقيل : أقبل بظلامه ، عن الحسن . وقيل : أظلم ، عن الجبائي . ( والصبح
إذا تنفس ) أي إذا أسفر وأضاء ، والمعنى : امتد ضوؤه حتى يصير نهارا ( إنه لقول
رسول كريم ) هذا جواب القسم أي إن القرآن قول رسول كريم على ربه ، وهو
جبرائيل ، وهو كلام الله تعالى ، أنزله على لسانه أي سمعه محمد من جبرائيل ، ولم
يقله من قبل نفسه ، عن الحسن وقتادة . وقيل : إنما أضافه إلى جبرائيل ، لأن الله
تعالى قال لجبرائيل : أئت محمدا ( ص ) وقل له كذا .
ثم وصف جبرائيل ( ع ) فقال : ( ذي قوة ) أي فيما كلف وأمر به من العلم
والعمل ، وتبليغ الرسالة . وقيل : ذي قدرة في نفسه ، ومن قوته قلعه ديار قوم لوط
بقوادم جناحه ، حتى بلغ بها السماء ، ثم قلبها . ( عند ذي العرش مكين ) معناه .
متمكن عند الله صاحب العرش وخالقه ، رفيع المنزلة ، عظيم القدر عنده ، كما
يقال . فلان مكين عند السلطان . والمكانة : القرب ( مطاع ثم ) أي في السماء
تفسير مجمع البيان — صفحة 280
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٨٠