وختم على أبصارهم بغشاوة . فلما حذف حرف الجر ، وصل الفعل إليها
فنصبها ، وهذا لا يحسن ، لأنه فصل بين حرف العطف والمعطوف به ، وذلك
إنما يجوز في الشعر . وإما أن يحملها على فعل مضمر ، كأنه قال : وجعل
على أبصارهم غشاوة ، نحو قول الشاعر " علفتها تبنا وماء باردا " أي : وسقيتها .
وقول الآخر :
يا ليت بعلك قد غزا ( 1 ) * متقلدا سيفا ، ورمحا
أي : وحاملا رمحا . وهذا أيضا لا يوجد في حال الاختيار ، فقد صح أن الرفع
أولى . وتكون الواو عاطفة جملة على جملة . والغشاوة فيها ثلاث لغات : فتح
الغين ، وضمها ، وكسرها ، وكذلك الغشوة فيها ثلاث لغات .
اللغة : الختم : نظير الطبع ، يقال : طبع عليه بمعنى ختم عليه .
ويقال : طبعه أيضا بغير حرف ، ولا يمتنع في ختم ذلك ، قال :
كأن قرادى زوره طبعتهما * بطين من الجولان كتاب أعجم
وقوله ختامه مسك أي : آخره ، ومنه ختم الكتاب ، لأنه آخر حال الفراغ منه .
وقوله ( على سمعهم ) يريد على أسماعهم . والسمع : مصدر ، تقول : يعجبني
ضربكم أي : ضروبكم فيوحد لأنه مصدر . ويجوز أن يريد على مواضع سمعهم ،
فحذفت مواضع ، ودل السمع عليها ، كما يقال أصحابك عدل أي : ذوو عدل .
ويجوز أن يكون لما أضاف السمع إليهم ، دل على معنى أسماعهم . قال الشاعر :
بها جيف الحسرى ، فأما عظامها * فبيض ، وأما جلدها فصليب
وقال الآخر : " في حلقكم عظم وقد شجينا " أي : في حلوقكم . والغشاوة :
الغطاء وكل ما اشتمل على الشئ بنى على فعالة ، نحو العمامة ، والقلادة ،
والعصابة . وكذلك أسماء الصناعات كالخياطة والقصارة والصياغة ، لأن معنى
الصناعة : الاشتمال على كل ما فيها . وكذلك كل من استولى على شئ فاسم ما
استولى عليه الفعالة : كالإمارة ، والخلافة ، وغير ذلك . وسمي القلب قلبا : لتقلبه
بالخواطر ، قال الشاعر ( 2 ) :
هامش
( 1 ) وفي جملة من النسخ : " غدا " بالدال المهملة بدل الزاي .
( 2 ) الشاعر : عدي بن الرقاع العاملي .