معناه المصدق أي : يصدق الموحدين على توحيدهم إياه ، يدل عليه قوله ( شهد الله
أنه لا إله إلا هو ) لأن الشاهد مصدق لما يشهد به ، كما أنه مصدق من يشهد له ،
فإذا شهد بالتوحيد فقد صدق الموحدين .
وأما الغيب فهو كلما غاب عنك ولم تشهده . وقوله ( بالغيب ) كأنه إجمال لما
فصل في قوله : ( كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ) أي : يؤمنون بما كفر به الكفار
من وحدانية الله ، وإنزال كتبه ، وإرسال رسله ، فكل هذا غيب . فعلى هذا يكون
الجار والمجرور في موضع نصب بأنه مفعول به . وفيه وجه آخر ، وهو أن يكون أراد
يؤمنون إذا غابوا عنكم ، ولم يكونوا كالمنافقين . ومثله قوله : ( وخشي الرحمن
بالغيب ) . فعلى هذا يكون الجار والمجرور في موضع الحال أي : يؤمنون غائبين
عن مراءاة الناس لا يريدون بإيمانهم تصنعا لأحد ، ولكن يخلصونه لله ، ويقيمون
الصلاة يؤدونها بحدودها وفرائضها ، يقال أقام القوم سوقهم : إذا لم يعطلوها من البيع
والشراء ، وقال الشاعر :
أقامت غزالة سوق الضراب * لأهل العراقين حولا قميطا
وقال أبو مسلم : يقيمون الصلاة أي : يديمون أداء فرائضها ، يقال للشئ
الراتب : قائم ، ويقال : فلان يقيم أرزاق الجند ، والصلاة في اللغة : الدعاء ، قال
الأعشى :
وأقبلها ( 1 ) الريح في ظلها * وصلى على دنها ، وارتسم
أي : دعا لها . ومنه الحديث : " إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب وإن كان
صائما فليصل " أي : فليدع له بالبركة والخير . وقيل : أصله رفع الصلا في الركوع ،
وهو عظم في العجز . وقوله : ( ومما رزقناهم ينفقون ) : ما هذه حرف موصول .
و ( رزقناهم ) : صلته . وهما جميعا بمعنى المصدر ، تقديره : ومن رزقنا إياهم
ينفقون ، أو اسم موصول ورزقناهم صلته ، والعائد من الصلة إلى الموصول
محذوف ، والتقدير : ومن الذي رزقناهموه ينفقون ، فيكون ما رزقناهم في موضع جر
بمن ، والجار والمجرور في موضع نصب بأنه مفعول ينفقون . والرزق : هو العطاء
الجاري ، وهو نقيض الحرمان . والانفاق : اخراج المال ، يقال : أنفق ماله أي :
هامش
( 1 ) في ( لسان العرب ) و ( تفسير الطبري ) : ( وقابلها ) ولعله الأصح .