الحكاية ، لأن معنى ( كتب عليكم ) قيل لكم الوصية للوالدين . وأما العامل في
إذا ففيه وجهان أحدهما : كتب فكأنه قيل : كتب عليكم الوصية وقت المرض
والآخر : ما قاله الزجاج وهو : إن الوصية رغب فيها في حال الصحة ، فتقديره
كتب عليكم أن توصوا وأنتم قادرون على الوصية ، قائلين إذا حضرنا الموت
فلفلان كذا . و ( حقا ) : نصب على المصدر وتقديره أحق ذلك حقا ، وقد
استعمل على وجه الصفة بمعنى ذي الحق ، كما وصف بالعدل ، فعلى هذا
يكون نصبا على الحال . ويجوز أن يكون مصدر كتب من غير لفظه ، تقديره
كتب كتابا .
المعنى : ثم بين سبحانه شريعة أخرى ، وهو الوصية ، فقال : ( كتب
عليكم ) أي : فرض عليكم ( إذا حضر أحدكم الموت ) أي : أسباب الموت
من مرض ونحوه من الهرم . ولم يرد إذا عاين البأس ، وملك الموت ، لأن تلك
الحالة تشغله عن الوصية . وقيل : فرض عليكم الوصية في حال الصحة أن
تقولوا : إذا حضرنا الموت فافعلوا كذا ( إن ترك خيرا ) أي : مالا .
واختلف في المقدار الذي يجب الوصية عنده ، فقال الزهري : في القليل
والكثير مما يقع عليه اسم المال . وقال إبراهيم النخعي : من ألف درهم إلى
خمسمائة . وقال ابن عباس : إلى ثمانمائة درهم . وروي عن علي عليه السلام أنه دخل
على مولى له في مرضه ، وله سبعمائة أو ستمائة درهم ، فقال : ألا أوصي ؟ فقال :
لا ، إن الله سبحانه قال : ( إن ترك خيرا ) وليس لك كثير مال . وهذا هو المأخوذ به
عندنا لأن قوله حجة . ( الوصية للوالدين والأقربين ) أي : الوصية لوالديه وقرابته
( بالمعروف ) أي : بالشئ الذي يعرف أهل التمييز أنه لا جور فيه ولا حيف .
ويحتمل أن يرجع ذلك إلى قدر ما يوصي ، لأن من يملك المال الكثير إذا أوصى
بدرهم ، فلم يوص بالمعروف . ويحتمل أن يرجع إلى الموصى لهم ، فكأنه أمر
بالطريقة الجميلة في الوصية ، فليس من المعروف أن يوصي للغني ، ويترك الفقير ،
ويوصي للقريب ، ويترك الأقرب منه ، ويجب حمله على كلا الوجهين .
( حقا على المتقين ) أي : حقا واجبا على من آثر التقوى ، وهذا تأكيد في
الوجوب . واختلف في هذه الآية فقيل : إنها منسوخة . وقيل : إنها منسوخة في
المواريث ثابتة في غير الوارث . وقيل : إنها غير منسوخة أصلا ، وهو الصحيح عند
المحققين من أصحابنا لأن من قال إنها منسوخة بآية المواريث فقوله باطل بأن النسخ
تفسير مجمع البيان — صفحة 493
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٩٣