المعنى : لما تقدم الوعيد لمن بدل الوصية ، بين في هذه الآية أن ذلك
يلزم من غير حقا بباطل . فأما من غير باطلا بحق فهو محسن ، فقال : ( فمن
خاف ) أي : خشي وقيل : علم لأن في الخوف طرفا من العلم ، وذلك أن
القائل إذا قال : أخاف أن يقع أمر كذا ، فكأنه يقول : أعلم . وإنما يخاف
لعلمه بوقوعه ، ومنه قوله ( وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ) ،
وقوله : ( إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ) . ( من موص جنفا ) أي : ميلا عن
الحق فيما يوصي به . .
فإن قيل : كيف قال ( فمن خاف ) لما قد وقع ، والخوف إنما يكون لما لم
يقع ؟ قيل : إن فيه قولين أحدهما : إنه خاف أن يكون قد زل في وصيته ، فالخوف
يكون للمستقبل ، وهو من أن يظهر ما يدل على أنه قد زل ، لأنه من جهة غالب الظن
والثاني : إنه لما اشتمل على الواقع ، وعلى ما لم يقع ، جاز فيه خاف ، فيأمره بما
فيه الصلاح ، فيما لم يقع ، وما وقع رده إلى العدل بعد موته . وقال الحسن : الجنف
هو أن يوصي به في غير قرابة ، وإنما قال ذلك لأن عنده الوصية للقرابة واجبة ، والأمر
بخلافه . وقيل : المراد ( من خاف من موص ) في حال مرضه الذي يريد أن يوصي
( جنفا ) وهو أن يعطي بعضا ، ويضر ببعض ، ( فلا إثم عليه ) أن يشير عليه بالحق ،
ويرده إلى الصواب ، ويصلح بين الموصي والورثة ، والموصى له ، حتى يكون الكل
راضين ، ولا يحصل جنف ولا إثم . ويكون قوله ( فأصلح بينهم ) أي : فيما يخاف
بينهم من حدوث الخلاف فيه ، فيما بعد . ولكون قوله ( فمن خاف ) على ظاهره ،
ويكون الخوف مترقبا غير واقع ، وهذا قريب . غير أن الأول عليه أكثر المفسرين ،
وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليه السلام .
وقوله : ( أو إثما ) الإثم أن يكون الميل عن الحق على وجه العمد .
والجنف : أن يكون على جهة الخطأ من حيث لا يدري أنه يجوز ، وهو معنى قول
ابن عباس والحسن . وروي ذلك عن أبي جعفر عليه السلام . ( فأصلح بينهم ) أي : بين
الورثة والمختلفين في الوصية ، وهم الموصى لهم ( فلا إثم عليه ) لأنه متوسط مريد
للإصلاح ، وإنما قال ( لا إثم عليه ) ولم يقل يستحق الأجر ، لأن المتوسط إنما
يجري أمره في الغالب على أن ينقص صاحب الحق بعض حقه بسؤاله إياه ، فبين
سبحانه لنا أنه لا إثم عليه في ذلك إذا قصد الإصلاح . وقيل إنه لما بين إثم المبدل ،
وهذا أيضا ضرب من التبديل بين مخالفته للأول بكونه غير مأثوم برده الوصية إلى
العدل .
تفسير مجمع البيان — صفحة 496
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٩٦