المعنى : لما قدم سبحانه ذكر الشيطان ، عقبه ببيان ما يدعو إليه من
مخالفة الدين ، فقال : ( إنما يأمركم بالسوء ) أي : المعاصي ، عن السدي
وقتادة . وقيل : بما يسوء فاعله أي : يضره ، وهو في المعنى مثل الأول .
( والفحشاء ) قيل : المراد به الزنا . وقيل : السوء ما لا حد فيه . والفحشاء :
ما فيه حد ، عن ابن عباس . ( وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) قيل : هو
دعواهم له الأنداد والأولاد ، ونسبتهم إليه الفواحش ، عن أبي مسلم . وقيل :
أراد به جميع المذاهب الفاسدة ، والاعتقادات الباطلة .
ومما يسأل على هذا أن يقال : كيف يأمرنا الشيطان ونحن لا نشاهده ، ولا
نسمع كلامه ؟ فالجواب : إن معنى أمره هو دعاؤه إليه ، كما تقول : نفسي تأمرني
بكذا ، أي : تدعوني إليه . وقيل : إنه يأمر بالمعاصي حقيقة ، وقد يعرف ذلك
الانسان من نفسه ، فيجد ثقل بعض الطاعات عليه ، وميل نفسه إلى بعض
المعاصي . والوسوسة : هي الصوت الخفي ، ومنه وسواس الحلي ، فيلقي إليه
الشيطان أشياء بصوت خفي في أذنه .
ومتى قيل : كيف يميز الانسان بين ما يلقي إليه الشيطان ، وما تدعو إليه
النفس ؟ فالقول : إنه لا ضير عليه إذا لم يميز بينهما ، فإنه إذا ثبت عنده أن الشيطان
قد يأمره بالمعاصي ، جوز في كل ما كان من هذا الجنس أن يكون من قبل الشيطان
الذي ثبت له عداوته ، فيكون أرغب في فعل الطاعة مع ثقلها عليه ، وفي ترك
المعاصي مع ميل النفس إليها ، مخالفة للشيطان الذي هو عدوه .
( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو
كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ( 170 ) ) .
اللغة : ألفينا أي : صادفنا ووجدنا . والأب والوالد واحد . والاهتداء :
الإصابة لطريق الحق بالعلم .
الاعراب : ( أولو ) : هنا واو العطف دخلت عليها همزة الاستفهام ،
والمراد به التوبيخ والتقريع . ومثل هذه الواو ( أثم إذا ما وقع آمنتم به ) ( أفلم
يسيروا ) . وإنما جعلت همزة الاستفهام للتوبيخ ، لأنه يقتضي ما الإقرار به
تفسير مجمع البيان — صفحة 469
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٦٩