عطاء ، واختاره الجبائي والرماني وجميع المفسرين . والثاني : إن المشركين
كانوا يقولون : إن أصحاب محمد يقتلون نفوسهم في الحروب بغير سبب ، ثم
يموتون فيذهبون ، فأعلمهم الله أنه ليس الأمر على ما قالوه ، وأنهم سيحيون يوم
القيامة ، ويثابون ، عن البلخي . ولم يذكر ذلك غيره . والثالث : معناه لا
تقولوا هم أموات في الدين بل هم أحياء بالطاعة والهدى ، ومثله قوله سبحانه
( أو من كان ميتا فأحييناه ) فجعل الضلال موتا ، والهداية حياة ، عن الأصم .
والرابع : إن المراد أنهم أحياء لما نالوا من جميل الذكر والثناء ، كما روي عن
أمير المؤمنين عليه السلام ، من قوله : " هلك خزان الأموال ، والعلماء باقون ما بقي
الدهر ، أعيانهم مفقودة ، وآثارهم في القلوب موجودة " والمعتمد هو القول الأول ،
لأن عليه إجماع المفسرين ، ولأن الخطاب للمؤمنين ، وكانوا يعلمون أن الشهداء على
الحق والهدى ، وأنهم ينشرون ويحيون يوم القيامة ، فلا يجوز أن يقال لهم ولكن لا
تشعرون من حيث إنهم كانوا يشعرون ذلك ويقرون به ، ولأن حمله على ذلك يبطل
فائدة تخصيصهم بالذكر ، ولو كانوا أيضا أحياء بما حصل لهم من جميل الثناء ، لما
قيل أيضا ( ولكن لا تشعرون ) لأنهم كانوا يشعرون ذلك . ووجه تخصيص الشهداء
بكونهم أحياء ، وإن كان غيرهم من المؤمنين قد يكونون أحياء في البرزخ ، أنه على
جهة التقديم للبشارة بذكر حالهم ، ثم البيان لما يختصون به من أنهم يرزقون كما في
الآية الأخرى يرزقون ، فرحين بما أتاهم الله من فضله .
فإن قيل : نحن نرى جثث الشهداء مطروحة على الأرض ، لا تنصرف ولا يرى
فيها شئ من علامات الإحياء ؟ فالجواب : إن على مذهب من يقول بالإنسان من
أصحابنا أن الله تعالى يجعل لهم أجساما كأجسامهم في دار الدنيا يتنعمون فيها ، دون
أجسامهم التي في القبور ، فإن النعيم والعذاب ، إنما يحصل عنده إلى النفس التي
هي الانسان المكلف عنده ، دون الجثة .
ويؤيد ذلك ما رواه الشيخ أبو جعفر في كتاب تهذيب الأحكام مسندا إلى
علي بن مهزيار ، عن القاسم بن محمد ، عن الحسين بن أحمد ، عن يونس بن
ظبيان ، قال : كنت عند أبي عبد الله عليه السلام جالسا ، فقال : ما يقول الناس في أرواح
المؤمنين ؟ قلت : يقولون في حواصل طير خضر ، في قناديل تحت العرش . فقال أبو
عبد الله : سبحان الله المؤمن أكرم على الله أن يجعل روحه في حوصلة طائر أخضر .
يا يونس ! المؤمن إذا قبضه الله تعالى ، صير روحه في قالب كقالبه في الدنيا ،
تفسير مجمع البيان — صفحة 438
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٣٨