وأرى لها دارا بأغدرة * السيدان ، لم يدرس لها رسم ( 1 )
إلا رمادا هامدا ، دفعت * عنه الرياح ، خوالد سحم
أي : أرى لها دارا ورمادا . وقال المبرد : لا يجوز أن يكون إلا بمعنى الواو
أصلا . والرابع : إن فيه إضمار على وتقديره إلا على الذين ظلموا منهم ، فكأنه
قال : لئلا يكون عليكم حجة إلا على الذين ظلموا ، فإنه يكون الحجة عليهم وهم
الكفار ، عن قطرب ، وهو اختيار الأزهري . قال علي بن عيسى : وهذان الوجهان
بعيدان ، والاختيار القول الأول .
المعنى : قد مضى الكلام في معنى أول الآية . وقيل في تكراره وجوه
أحدها : إنه لاختلاف المعنى ، وإن اتفق اللفظ ، لأن المراد بالأول ( ومن
حيث خرجت ) منصرفا عن التوجه إلى بيت المقدس ( فول وجهك شطر
المسجد الحرام ) . والمراد بالثاني : أين ما كنت من البلاد ، فتوجه نحوه من
كل جهات الكعبة وسائر الأقطار وثانيها : إنه من مواضع التأكيد لما جرى من
النسخ ليثبت في القلوب وثالثها : إنه لاختلاف المواطن والأوقات التي تحتاج
إلى هذا المعنى فيها . وقوله ( لئلا يكون للناس عليكم حجة ) قيل فيه وجوه
أولها : إن معناه لأن لا يكون لأهل الكتاب عليكم حجة ، إذا لم تصلوا نحو
المسجد الحرام ، بأن يقولوا : ليس هذا هو النبي المبشر به إذ ذاك نبي يصلي
بالقبلتين وثانيها : إن معناه لا تعدلوا عما أمركم الله به من التوجه إلى الكعبة ،
فتكون لهم عليكم حجة ، بأن يقولوا : لو كنتم تعلمون أنه من عند الله ، لما
عدلتم عنه ، عن الجبائي وثالثها : ما قاله أبو روق : إن حجة اليهود أنهم كانوا
قد عرفوا أن النبي المبعوث في آخر الزمان قبلته الكعبة . فلما رأوا محمدا
يصلي إلى الصخرة ، احتجوا بذلك ، فصرفت قبلته إلى الكعبة ، لئلا يكون
لهم عليه حجة .
( إلا الذين ظلموا منهم ) يريد الا الظالمين الذين يكتمون ما عرفوا من أنه يحول
إلى الكعبة . وعلى هذا يكون الاستثناء متصلا . وقد مضى ذكر ما قيل فيه من الأقوال
في الإعراب . وإنما اختلف العلماء في وجه الاستثناء لأن الظالم لا يكون له حجة ،
هامش
( 1 ) أغدره السيدان : موضع . الهامد : الساكن .