الاعراب : ما في قوله ( كما أرسلنا ) مصدرية ، فكأنه قال كارسالنا
فيكم ، ويحتمل أن تكون كافة ، كما قال الشاعر :
أعلاقة أم الوليد بعد ما * أفنان رأسك كالثغام المخلس ( 1 )
فإنه يجوز كما زيد محسن إليك فأحسن إلى أسبابه ( 2 ) . والعامل في الكاف من
قوله ( كما ) يجوز أن يكون الفعل الذي قبله ، وهو قوله ( ولأتم نعمتي عليكم ) فعلى
هذا لا يوقف عند قوله ( ولعلكم تهتدون ) ويكون الوقف عند قوله : ( ما لم تكونوا
تعلمون ) . ويجوز أن يكون الفعل الذي بعده ، وهو قوله ( فاذكروني أذكركم ) وعلى
هذا يوقف عند قوله ( تهتدون ) . ويبتدأ بقوله ( كما أرسلنا ) ولا يوقف عند قوله
( تعلمون ) . والأول : أحد قولي الزجاج ، واختيار الجبائي . والثاني : قول مجاهد
والحسن ، وأحد قولي الزجاج . وقوله ( منكم ) في موضع نصب ، لأنه صفة لقوله
( رسولا ) وكذلك قوله ( يتلو ) وما بعده في موضع الصفة .
المعنى : قوله ( كما أرسلنا فيكم ) التشبيه فيه على القول الأول معناه .
إن النعمة في أمر القبلة ، كالنعمة بالرسالة ، لأن الله تعالى لطف لعباده بها على
ما يعلم من المصلحة ومحمود العاقبة . وأما على القول الثاني فمعناه : إن في
بعثة الرسول منكم إليكم نعمة عليكم لأنه يحصل لكم به عز الرسالة ، فكما
أنعمت عليكم بهذه النعمة العظيمة ، فاذكروني واشكروا لي واعبدوني أنعم
عليكم بالجزاء والثواب . والخطاب للعرب على قول جميع المفسرين . وقوله :
( رسولا ) يعني محمد صلى الله عليه وآله وسلم ( منكم ) بالنسب لأنه من العرب ، ووجه النعمة
عليهم بكونه من العرب ، ما حصل لهم به من الشرف والذكر ، وإن العرب لم تكن
لتتبع رسولا يبعث إليهم من غيرهم ، مع نخوتهم وعزتهم في نفوسهم ، فكون الرسول
منهم يكون أدعى لهم إلى الإيمان به واتباعه . وقوله ( يتلوا عليكم آياتنا ) أراد بها
القرآن ( ويزكيكم ) ويعرضكم لما تكونون به أزكياء من الأمر بطاعة الله ، واتباع
مرضاته . ويحتمل أن يكون معناه ينسبكم إلى أنكم أزكياء بشهادته لكم بذلك ليعرفكم
الناس به . ( ويعلمكم الكتاب والحكمة ) الكتاب القرآن ، والحكمة هي القرآن
هامش
( 1 ) الأفنان : جمع الفنن ، وهو الغصن المستقيم . الثغام : نبت أبيض يبيض إذا يبس . ويشبه به
الشيب . أخلس النبات : اختلط رطبه ويابسه .
( 2 ) كذا في النسخ ، لكن في المحكي عن ( التبيان ) : ( أبنائه ) بدل ( أسبابه ) وهو الظاهر .