( من بعد ما جاءك من العلم ) أي : من الآيات والوحي الذي هو طريق العلم .
وقيل . من بعد ما علمت أن الحق ما أنت عليه من القبلة والدين . ( إنك إذا لمن
الظالمين ) وقد مضى معناه ، وهو مثل قوله : ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) . وفي
هذه الآية دلالة على فساد قول من قال : إنه لا يصح الوعيد بشرط ، وإن من علم الله
تعالى أنه يؤمن ، لا يستحق العقاب أصلا ، لأن الله تعالى علق الوعيد بشرط يوجب
أنه متى حصل الشرط يحصل استحقاق العقاب . وفيها دلالة على فساد قول من زعم
أن في المقدور لطفا ، لو فعله الله تعالى بالكافر لآمن لا محالة ، لقوله ( إن أتيتهم
بكل آية ما تبعوا قبلتك ) . فعلى قول من قال المراد به المعاند ، لا ينفعه شئ من
الآيات . وعلى قول من قال المراد به جميع الكفار ، فلا لطف لهم أيضا يؤمنون
عنده . فعلى الوجهين معا يبطل قولهم . وفيها دلالة أيضا على أن جميع الكفار لا
يؤمنون .
( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنائهم فريقا منهم
ليكتمون الحق وهم يعلمون ( 146 ) ) .
المعنى : أخبر الله سبحانه بأنهم يعرفون النبي عليه السلام وصحة نبوته ،
فقال : ( الذين آتيناهم ) أي : أعطيناهم ( الكتاب ) وهم العلماء منهم ( يعرفونه )
أي : يعرفون محمدا ، وأنه حق ( كما يعرفون أبناءهم ) قيل : والضمير في يعرفونه
يعود إلى العلم من قوله ( من العلم ) يعني النبوة . وقيل : الضمير يعود إلى أمر القبلة
أي : يعرفون ان أمر القبلة حق ، عن ابن عباس .
فإن قيل : كيف قال يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، وهم كانوا يعرفون أبناءهم من
جهة الحكم ، ويعرفون أمر النبي عليه السلام من جهة الحقيقة ؟ قيل : إنه شبه المعرفة بالمعرفة ،
ولم يشبه طريق المعرفة بطريق المعرفة ، وكل واحدة من المعرفتين كالأخرى ،
وإن اختلف الطريقان . ( وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ) إنما خص
الفريق منهم ، لأن من أهل الكتاب من أسلم كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار
وغيرهما .
( الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ( 147 ) ) .
اللغة : الامتراء : الاستخراج . وقيل : الاستدرار ، قال الأعشى :
تفسير مجمع البيان — صفحة 426
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٢٦