يقال : جاء القوم لزيدا ، بمعنى إلا زيدا . وأما ( 1 ) في قوله : ( وما كان الله ليضيع
إيمانكم ) فلام تأكيد نفي ، وأصلها لام الإضافة أيضا ، وينتصب الفعل بعدها بإضمار
أن أيضا ، إلا أنه لا يجوز إظهار أن بعدها ، لأن التقدير : ما كان الله مضيعا
إيمانكم . فلما حمل معناه على التأويل ، حمل لفظه أيضا على التأويل ، من غير
تصريح بإظهار أن . ويجوز إظهار أن بعد لام كي ، كما ذكرناه .
والكاف في قوله ( وكذلك ) : كاف التشبيه ، وهو في موضع النصب
بالمصدر ، وذلك إشارة إلى الهداية من قوله ( يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم )
والتقدير : أنعمنا عليكم بالعدالة ، . كما أنعمنا عليكم بالهداية . والعامل في الكاف
جعلنا كأنه قيل : يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ، فقد أنعمنا عليكم بذلك ،
وجعلناكم أمة وسطا ، فأنعمنا مثل ذلك الانعام . إلا أن جعلنا يدل على أنعمنا .
و ( هدى الله ) : صلة الذين . والضمير العائد إلى الموصول محذوف ، فتقديره على
الذين هداهم الله . والجار والمجرور في محل نصب على الاستثناء تقديره : وإن
كانت لكبيرة على الكل ، إلا على الذين هدى الله .
المعنى : ثم بين سبحانه فضل هذه الأمة على سائر الأمم ، فقال
سبحانه : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) وقد ذكرنا وجه تعلق الكاف المضاف
إلى ذلك بما تقدم . أخبر عز اسمه أنه جعل أمة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم عدلا وواسطة
بين الرسول والناس . ومتى قيل : إذا كان في الأمة من ليس هذه صفته ، فكيف
وصف جماعتهم بذلك ؟ فالجواب : إن المراد به من كان بتلك الصفة ، ولأن كل
عصر لا يخلو من جماعة هذه صفتهم .
وروى بريد بن معاوية العجلي عن الباقر عليه السلام : نحن الأمة الوسط ، ونحن
شهداء الله على خلقه ، وحجته في أرضه . وفي رواية أخرى قال : إلينا يرجع
الغالي ، وبنا يلحق المقصر . وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني في كتاب شواهد
التنزيل لقواعد التفضيل بإسناده عن سليم بن قيس الهلالي عن علي عليه السلام : إن الله
تعالى إيانا عنى بقوله ( لتكونوا شهداء على الناس ) فرسول الله شاهد علينا ، ونحن
شهداء الله على خلقه ، وحجته في أرضه ، ونحن الذين قال الله تعالى : ( كذلك
جعلناكم أمة وسطا ) .
هامش
( 1 ) [ اللام ] .