السدي : هم المنافقون ، قالوا ذلك استهزاء بالإسلام .
واختلف في سبب مقالتهم ذلك ، فقيل : إنهم قالوا ذلك على وجه الانكار
للنسخ ، عن ابن عباس . وقيل : إنهم قالوا يا محمد ! ما ولاك عن قبلتك التي كنت
عليها ؟ ارجع إلى قبلتنا نتبعك ، ونؤمن بك . أرادوا بذلك فتنته ، عن ابن عباس
أيضا . وقيل : إنما قاله مشركو العرب ليوهموا أن الحق ما هم عليه .
وأما الوجه في الصرف عن القبلة الأولى ففيه قولان أحدهما : إنه لما علم الله
تعالى في ذلك من تغير المصلحة والآخر : إنه لما بينه سبحانه بقوله ( لنعلم من يتبع
الرسول ممن ينقلب على عقبيه ) لأنهم كانوا بمكة ، أمروا أن يتوجهوا إلى بيت
المقدس ليتميزوا من المشركين الذين كانوا يتوجهون إلى الكعبة . فلما انتقل رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة ، كانت اليهود يتوجهون إلى بيت المقدس ، فأمروا بالتوجه إلى
الكعبة ليتميزوا من أولئك . ( قل لله المشرق والمغرب ) هو أمر من الله سبحانه لنبيه
أن يقول لهؤلاء الذين عابوا انتقالهم من بيت المقدس إلى الكعبة : المشرق والمغرب
ملك لله سبحانه ، يتصرف فيهما كيف شاء على ما تقتضيه حكمته . وفي هذا إبطال
لقول من زعم أن الأرض المقدسة أولى بالتوجه إليها ، لأنها مواطن الأنبياء ، وقد
شرفها الله وعظمها ، فلا وجه للتولية عنها ، فرد الله سبحانه عليهم بأن المواطن كلها
لله ، يشرف منها ما يشاء في كل زمان على ما يعلمه من مصالح العباد .
وعن ابن عباس : كانت الصلاة إلى بيت المقدس بعد مقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم
المدينة سبعة عشر شهرا . وعن البراء بن عازب . قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ، أو سبعة عشر شهرا ، ثم صرفنا نحو الكعبة .
أورده مسلم في الصحيح . وعن انس بن مالك : إنما كان ذلك تسعة أشهر ، أو عشرة
أشهر . وعن معاذ بن جبل : ثلاثة عشر شهرا .
ورواه علي بن إبراهيم بإسناده عن الصادق عليه السلام قال : تحولت القبلة إلى الكعبة
بعد ما صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة إلى بيت المقدس ، وبعد مهاجرته إلى
المدينة ، صلى إلى بيت المقدس سبعة أشهر قال : ثم وجهه الله إلى الكعبة وذلك أن
اليهود كانوا يعيرون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقولون له : أنت تابع لنا ، تصلي إلى قبلتنا !
فاغتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك غما شديدا ، وخرج في جوف الليل ينظر إلى آفاق
السماء ، ينتظر من الله تعالى في ذلك أمرا . فلما أصبح وحضر وقت صلاة الظهر ،
تفسير مجمع البيان — صفحة 414
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤١٤