الاسلام . كل فرقة تزعم أنها أحق بدين الله من غيرها ، فقالت اليهود : نبينا
موسى أفضل الأنبياء ، وكتابنا التوراة أفضل الكتب . وقالت النصارى : نبينا
عيسى أفضل الأنبياء ، وكتابنا أفضل الكتب . وكل فريق منهما قالوا للمؤمنين :
كونوا على ديننا . فأنزل الله تعالى هذه الآية . وقيل : إن ابن صوريا قال لرسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما الهدى إلا ما نحن عليه ، فاتبعنا يا محمد تهتد . وقالت النصارى مثل
ذلك ، فأنزل الله هذه الآية .
المعنى : ( وقالوا ) الضمير يرجع إلى اليهود والنصارى أي : قالت اليهود
( كونوا هودا ) ، وقالت النصارى : كونوا ( نصارى ) كل فريق منهم دعا إلى ما
هو عليه . ومعنى ( تهتدوا ) أي : تصيبوا طريق الحق ، كأنهم قالوا : تهتدوا
إلى الحق أي إذا فعلتم ذلك كنتم قد اهتديتم ، وصرتم على سنن الاستقامة
( قل ) يا محمد ( بل ملة إبراهيم ) أي : بل نتبع دين إبراهيم . وعلى الوجه
الآخر بل اتبعوا دين إبراهيم . وقد عرفت الوجوه الثلاثة في الإعراب فلا معنى
لإعادتها .
( حنيفا ) : مستقيما . وقيل : مائلا إلى دين الاسلام . وفي الحنيفية أربعة
أقوال أحدها : إنها حج البيت ، عن ابن عباس والحسن ومجاهد . وثانيها : إنها
اتباع الحق عن مجاهد . وثالثها : إنها اتباع إبراهيم فيما أتى به من الشريعة التي صار
بها إماما للناس بعده من الحج والختان وغير ذلك من شرائع الاسلام . والرابع : إنها
الإخلاص لله وحده في الإقرار بالربوبية ، والإذعان للعبودية . وكل هذه الأقوال ترجع
إلى ما قلناه من معنى الاستقامة والميل إلى ما أتى به إبراهيم عليه السلام من الملة .
( وما كان من المشركين ) أي : وما كان إبراهيم من المشركين ، نفى الشرك
عن ملته ، وأثبته في اليهود والنصارى ، حيث قالوا عزير ابن الله ، والمسيح ابن الله .
وفي قوله سبحانه ( بل ملة إبراهيم ) : حجة على وجوب اتباع ملة إبراهيم عليه السلام
لسلامتها من التناقض ، ولوجود التناقض في اليهودية والنصرانية ، فلذلك صارت ملة
إبراهيم أحرى بالاتباع من غيرها . فمن التناقض في اليهودية منعهم من جواز النسخ
مع ما في التوراة من الدلالة على جوازه ، وامتناعهم من العمل بما تقدمت به البشارة
في التوراة من اتباع النبي الأمي ، مع إظهارهم التمسك بها ، وامتناعهم من الإذعان
لما دلت عليه الآيات الظاهرة والمعجزات الباهرة ، من نبوة عيسى ومحمد صلى الله
تفسير مجمع البيان — صفحة 403
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٠٣