تقول مررت برجل مثله أي : مثل له والوجه الرابع : أن يكون على حذف الجار في
معنى سفه في نفسه ، كقوله سبحانه : ( ولا جناح عليكم أن تسترضعوا أولادكم )
أي : لأولادكم ، فحذف حرف الجر من غير ظرف . ومثله : ( ولا تعزموا عقدة
النكاح ) أي : على عقدة النكاح ، ومثله قول الشاعر :
نغالي اللحم للأضياف نيا ، * ونبذله إذا نضج القدور
والمعنى : نغالي باللحم . قال الزجاج : وهذا مذهب صحيح . والوجه
الخامس : ما اختاره الزجاج وهو أن سفه بمعنى جهل ، وهو موافق في المعنى لما قاله
السراج في قوله بطرت معيشتها : إن البطر مستقل للنعمة ، غير راض بها . فعلى هذا
يكون ( نفسه ) مفعولا به ( وإنه في الآخرة ) : في تتعلق بمحذوف فهو منصوب
الموضع على الحال ، وذو الحال الضمير المستكن في قوله ( من الصالحين ) .
النزول : روي أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه ، سلمة ومهاجرا إلى
الاسلام ، فقال : لقد علمنا أن صفة محمد في التوراة ، فأسلم سلمة وأبى
مهاجر أن يسلم ، فأنزل الله هذه الآية .
المعنى : لما بين سبحانه قصة إبراهيم ، وأن ملته ملة محمد ، عقبه بذكر
الحث على اتباعها ، فقال : ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه )
أي : لا يترك دين إبراهيم وشريعته إلا من أهلك نفسه وأوبقها . وقيل : أضل
نفسه عن الحسن . وقيل : جهل قدره لأن من جهل خالقه فهو جاهل بنفسه ،
عن الأصم . وقيل : جهل نفسه بما فيها من الآيات الدالة على أن لها صانعا
ليس كمثله شئ ، عن أبي مسلم . وقوله : ( ولقد اصطفيناه في الدنيا ) أي :
اخترناه بالرسالة واجتبيناه ( وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) أي : من
الفائزين ، عن الزجاج . وقيل : معناه لمع الصالحين أي : مع آبائه الأنبياء في
الجنة ، عن ابن عباس . وقيل : إنما خص الآخرة بالذكر ، وإن كان في الدنيا
كذلك ، . لأن المعنى من الذين يستوجبون على الله سبحانه الكرامة وحسن
الثواب . فلما كان خلوص الثواب في الآخرة دون الدنيا ، وصفه فيها بما ينبئ
عن ذلك .
وفي قوله سبحانه : ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ) دلالة على
أن ملة إبراهيم هي ملة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لأن ملة إبراهيم داخلة في ملة محمد ، مع زيادات
تفسير مجمع البيان — صفحة 396
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٩٦