أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ) إلى قوله ( لعلهم يشكرون ) . ثم مضى وبقيت
هاجر . فلما ارتفع النهار عطش إسماعيل ، فقامت هاجر في الوادي ، حتى صارت
في موضع المسعى ، فنادت : هل في الوادي من أنيس ؟ فغاب عنها إسماعيل .
فصعدت على الصفا ، ولمع لها السراب في الوادي ، وظنت أنه ماء ، فنزلت في بطن
الوادي وسعت . فلما بلغت المروة غاب عنها إسماعيل ، ثم لمع لها السراب في
ناحية الصفا ، وهبطت إلى الوادي تطلب الماء . فلما غاب عنها إسماعيل عادت حتى
بلغت الصفا ، فنظرت إلى إسماعيل حتى فعلت ذلك سبع مرات . فلما كان في
الشوط السابع ، وهي على المروة نظرت إلى إسماعيل ، وقد ظهر الماء من تحت
رجليه ، فعادت حتى جمعت حوله رملا ، وإنه كان سائلا فزمته بما جعلت حوله ،
فلذلك سميت زمزم .
وكانت جرهم نازلة بذي المجاز وعرفات ، فلما ظهر الماء بمكة ، عكفت الطير
والوحوش على الماء ، فنظرت جرهم إلى تعكف الطير على ذلك المكان ، فاتبعوها
حتى نظروا إلى امرأة وصبي نزول في ذلك الموضع ، قد استظلوا بشجرة ، قد ظهر
لهم الماء ، فقال لهم جرهم : من أنت وما شأنك وشأن هذا الصبي ؟ قالت : أنا أم
ولد إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام وهذا ابنه ، أمره الله أن ينزلنا هاهنا . فقالوا لها :
أتأذنين أن نكون بالقرب منكم ؟ فقالت : حتى أسأل إبراهيم . قال : فزارهما إبراهيم
يوم الثالث ، فقالت له هاجر : يا خليل الله ! إن هاهنا قوما من جرهم يسألونك أن
تأذن لهم حتى يكونوا بالقرب منا ، أفتأذن لهم في ذلك ؟ فقال إبراهيم : نعم . فأذنت
هاجر لجرهم ، فنزلوا بالقرب منهم ، وضربوا خيامهم ، وأنست هاجر وإسماعيل
بهم .
فلما زارهم إبراهيم في المرة الثانية ، ونظر إلى كثرة الناس حولهم ، سر بذلك
سرورا شديدا . فلما تحرك إسماعيل ، وكانت جرهم قد وهبوا لإسماعيل كل واحد
منهم شاة وشاتين ، وكانت هاجر وإسماعيل يعيشان بها ، فلما بلغ مبلغ الرجال ، أمر
الله تعالى إبراهيم أن يبني البيت ، فقال : يا رب ! في أي بقعة ؟ قال : في البقعة
التي أنزلت على آدم القبة فأضاءت الحرم . قال : ولم تزل القبة التي أنزلها الله على
آدم قائمة حتى كان أيام الطوفان في زمان نوح ، فلما غرقت الدنيا رفع الله تلك القبة ،
وغرقت الدنيا ، ولم تغرق مكة ، فسمي البيت العتيق ، لأنه أعتق من الغرق .
تفسير مجمع البيان — صفحة 389
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٨٩