لليهود ، فعلمنا أنه أدرج الخبر عنهما للإيجار من غير إخلال بشئ من المعنى ،
فإن شهرة الحال تغني عن البيان الذي ذكرنا ، ومثله قول حسان بن ثابت :
أمن يهجو رسول الله منكم ، * ويمدحه ، وينصره سواء
تقديره : ومن يمدحه وينصره . غير أنه لما كان اللفظ واحدا ، جمع مع الأول ،
وصار كأنه إخبار عن جماعة واحدة ، وإنما حقيقته عن بعضين متفرقين . وقوله ( تلك
أمانيهم ) أي : تلك المقالة أماني كاذبة يتمنونها على الله ، عن قتادة ، والربيع .
وقيل : أمانيهم أباطيلهم بلغة قريش ، عن المؤرج . وقيل : معناه تلك أقاويلهم
وتلاوتهم من قولهم تمنى أي : تلا . وقد يجوز في العربية أمانيهم بالتخفيف ،
والتثقيل أجود .
( قل ) يا محمد ( هاتوا ) أي : أحضروا وليس بأمر ، بل هو تعجيز وإنكار
بمعنى إذا لم يمكنكم الإتيان ببرهان يصحح مقالتكم ، فاعلموا أنه باطل فاسد
( برهانكم ) أي : حجتكم ، عن الحسن ومجاهد والسدي : ( إن كنتم صادقين ) في
قولكم لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى . وفي الآية دلالة على فساد
التقليد ، ألا ترى أنه لو جاز التقليد لما أمروا بأن يأتوا فيما قالوه ببرهان ؟ وفيها أيضا
دلالة على جواز المحاجة في الدين .
( بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف
عليهم ولا هم يحزنون ( 112 ) ) .
اللغة : أسلم يستعمل في شيئين أحدهما : أسلمه إلى كذا أي : صرفه
إليه . تقول : أسلمت الثوب إليه . والعاني : أسلم له : بمعنى أخلص له ،
ومنه قوله ورجلا سلما لرجل أي : خالصا . وقال زيد بن عمرو بن نفيل :
أسلمت وجهي لمن أسلمت * له الأرض تحمل صخرا ثقالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له المزن ، تحمل عذبا زلالا
ويروى وأسلمت نفسي . والوجه : مستقبل كل شئ . ووجه الانسان :
محياه . ويقال : وجه الكلام تشبيها بوجه الانسان ، لأنه أول ما يبدو منه ، ويعرف
به . ويقال : هذا وجه الرأي أي : الذي يبدو منه ويعرف به . والوجه من كل شئ :
أول ما يبدو فيظهر بظهوره ما بعده ، وقد استعملت العرب لفظة وجه الشئ ، وهم
تفسير مجمع البيان — صفحة 350
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٥٠