النزول : نزلت الآية في حيي بن أخطب ، وأخيه أبي ياسر بن أخطب ،
وقد دخلا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين قدم المدينة ، فلما خرجا قيل لحيي : أهو نبي ؟
قال : هو هو . فقيل : فما له عندك ؟ قال : العداوة إلى الموت ، وهو الذي نقض
العهد ، وأثار الحرب يوم الأحزاب ، عن ابن عباس . وقيل : نزلت في كعب بن
الأشرف ، عن الزهري . وقيل : في جماعة اليهود ، عن الحسن .
المعنى : ثم أخبر الله سبحانه ، عن سرائر اليهود ، فقال : ( ود ) أي :
تمنى ( كثير من أهل الكتاب ) كحيي بن أخطب ، وكعب بن الأشرف ،
وأمثالهما ( لو يردونكم ) ( 1 ) يا معشر المؤمنين أي : يرجعونكم ( من بعد
إيمانكم كفارا حسدا ) منهم لكم ، بما أعد الله لكم من الثواب والخير . وإنما
قال ( كثير من أهل الكتاب ) لأنه إنما آمن منهم القليل كعبد الله بن سلام ،
وكعب الأحبار . وقيل : إنما حسد اليهود المسلمين على وضع النبوة فيهم ،
وذهابها عنهم ، وزوال الرئاسة إليهم . وقوله ( من عند أنفسهم ) قد بينا ما فيه
في الإعراب . وقوله ( من بعد ما تبين لهم الحق ) أي : بعد ما تبين لهم أن
محمدا رسول الله ، والإسلام دين الله ، عن ابن عباس وقتادة والسدي . وقوله :
( فاعفوا واصفحوا ) أي : تجاوزوا عنهم . وقيل : أرسلوهم فإنهم لا يفوتون
الله ، ولا يعجزونه . وإنما أمرهم بالعفو والصفح ، وإن كانوا مضطهدين
مقهورين ، من حيث إن كثيرا من المسلمين كانوا عزيزين في عشائرهم
وأقوامهم ، يقدرون على الانتقام من الكفار ، فأمرهم الله بالعفو ، وإن كانوا
قادرين على الانتصاف .
( حتى يأتي الله بأمره ) أي : بأمره لكم بعقابهم ، أو يعاقبهم هو على ذلك . ثم
أتاهم بأمره فقال : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون ) الآية ، عن أبي علي . وقيل : بأمره
أي : بآية القتل والسبي لبني قريظة ، والجلاء لبني النضير ، عن ابن عباس . وقيل :
بأمره بالقتال ، عن قتادة ، فإنه قال : هذه الآية منسوخة بقوله ( قاتلوا الذين لا يؤمنون
بالله ولا باليوم الآخر ) الآية . وبه قال الربيع والسدي . وقيل : نسخت بقوله ( اقتلوا
المشركين حيث وجدتموهم ) .
وروي عن الباقر عليه السلام أنه قال : لم يؤمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقتال ، ولا أذن له
هامش
( 1 ) [ معناه : أن يردونكم ] .