فيضره . وقوله : ( ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ) معناه : يضرهم في الآخرة ،
ولا ينفعهم وإن كان ينفعهم في الدنيا ، لأنهم لما قصدوا بتعلمه أن يفعلوه ويرتكبوه ،
لا أن يجتنبوه ، صار ذلك بسوء اختيارهم ضررا عليهم . وقوله : ( ولقد علموا لمن
اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ) يعني اليهود الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ،
علموا لمن استبدل السحر بدين الله . فالهاء في ( اشتراه ) كناية عن السحر ، عن
قتادة ، وجماعة من المفسرين . فما له في الآخرة من نصيب .
وقوله : ( ولبئس ما شروا به أنفسهم ) يعني : بئس ما باعوا به حظ أنفسهم ،
حيث اختاروا التكسب بالسحر . وقوله : ( لو كانوا يعلمون ) بعد قوله : ( ولقد
علموا ) ذكر فيه وجوه أحدها : أن يكون الذين علموا غير الذين لم يعلموا ، أو يكون
الذين علموا الشياطين ، أو الذين خبر تعالى عنهم بأنهم نبذوا كتاب الله وراء
ظهورهم ، والذين لم يعلموا هم الذين تعلموا السحر . وثانيها : أن يكون الذين
علموا هم الذين لم يعلموا إلا أنهم علموا شيئا ، ولم يعلموا غيره ، فكأنه تعالى
وصفهم بأنهم عالمون بأنه لا نصيب لمن اشترى ذلك ، ورضيه لنفسه على الجملة ،
ولم يعلموا كنه ما يصيرون إليه من العقاب الدائم . وثالثها : أن تكون الفائدة في نفي
العلم بعد إثباته ، أنهم لم يعملوا بما علموا ، فكأنهم لم يعلموا كما قال كعب بن زهير
يصف ذئبا وغرابا تبعاه ليصيبا من زاده :
إذا حضراني ، قلت : لو تعلمانه ، * ألم تعلما أني من الزاد مرمل ( 1 )
فنفى عنهما العلم ، ثم أثبته . والمعنى في نفيه العلم عنهما ، أنهما لم يعملا
بما علماه ، فكأنهما لم يعلماه . وفي هذه الآية دلالة على أن الأفعال تختلف باختلاف
المقاصد ، ولذلك كان تعلم السحر لإزالة الشبهة ، والتحرز منه ، واجتنابه ، إيمانا ،
ولتصديقه واستعماله كفرا .
واختلف في ماهية السحر على أقوال فقيل : إنه ضرب من التخييل ، وصنعة من
لطيف الصنائع ، وقد أمر الله تعالى بالتعوذ منه ، وجعل التحرز بكتابه وقاية منه ،
وأنزل فيه سورة الفلق ، وهو قول الشيخ المفيد أبي عبد الله من أصحابنا . وقيل : إنه
خدع ومخاريق وتمويهات ، لا حقيقة لها ، يخيل إلى المسحور أن لها حقيقة .
وقيل : إنه يمكن الساحر أن يقلب الانسان حمارا ، ويقلبه من صورة إلى صورة ،
هامش
( 1 ) أرمل الرجل : نفد زاده .