الأخبار كثرة لا نطول بذكرها .
ثم إن أشرف العلوم وأسناها ، وأبهرها وأبهاها ، وأجلها وأفضلها ، وأنفعها
وأكملها ، علم القرآن ، فإنه لجميع العلوم الأصل ، منه تتفرع أفانينها ، والعماد عليه
تبنى قوانينها . وقد قال أمير المؤمنين ، وسيد الوصيين علي بن أبي طالب عليه السلام :
القرآن ظاهره أنيق ، وباطنه عميق ، لا تفنى عجائبه ، ولا تنقضي غرائبه . وقد روي
عن عبد الله بن مسعود أنه قال : إذا أردتم العلم فأثيروا القرآن ، فإن فيه علم الأولين
والآخرين . وعن سعيد ، عن قتادة في قوله عز وجل ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي
خيرا كثيرا ) ، قال : هو القرآن . وعن رجاء بن حياة ، قال : كنا يوما أنا وأبي عند
معاذ بن جبل ، فقال : من هذا يا حياة ؟ فقال : هذا ابني رجاء . فقال معاذ : هل
علمته القرآن ؟ قال : لا . قال : فعلمه القرآن ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ما
من رجل علم ولده القرآن ، إلا توج أبواه يوم القيامة بتاج الملك ، وكسيا حلتين لم ير
الناس مثلهما . ثم ضرب بيده على كتفي فقال : يا بني ! إذا استطعت أن تكسو
أبويك يوم القيامة حلتين فافعل . وروي عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال :
من قال في القرآن بغير علم ، فليتبوأ مقعده من النار . وصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من
رواية العام والخاص ، أنه قال : إني تارك فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا : كتاب
الله وعترتي أهل بيتي ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض .
وإنما أحذف أسانيد أمثال هذه الأحاديث إيثارا للتخفيف ، ولاشتهارها عند
أصحاب الحديث . وقد خاض العلماء ، قديما وحديثا ، في علم تفسير القرآن ،
واجتهدوا في إبراز مكنونه ، وإظهار مصونه ، وألفوا فيه كتبا جمة ، غاصوا في كثير
منها إلى أعماق لججه ، وشققوا الشعر في إيضاح حججه ، وحققوا في تفتيح أبوابه ،
وتغلغل شعابه . إلا أن أصحابنا ، رضي الله عنهم ، لم يدونوا في ذلك غير
مختصرات ، نقلوا فيها ما وصل إليهم في ذلك من الأخبار ، ولم يعنوا ببسط المعاني
وكشف الأسرار ، إلا ما جمعه الشيخ الأجل السعيد ، أبو جعفر محمد بن الحسن
الطوسي ، قدس الله روحه ، من كتاب ( التبيان ) فإنه الكتاب الذي يقتبس منه ضياء
الحق ، ويلوح عليه رواة الصدق ، قد تضمن من المعاني الأسرار البديعة ، واحتضن
من الألفاظ اللغة الوسيعة ، ولم يقنع بتدوينها دون تبيينها ، ولا بتنميقها دون تحقيقها ،
وهو القدوة أستضئ بأنواره ، وأطأ مواقع آثاره ، غير أنه خلط في أشياء مما ذكره في
الإعراب والنحو الغث بالسمين ، والخاثر بالزباد ، ولم يميز بين الصلاح مما ذكره فيه
تفسير مجمع البيان — صفحة 33
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٣