المهتدون ، جعله سبحانه لأفئدة الأئمة ربيعا مربعا ، ولجنوب ذوي المحارب من الأمة
جنابا ممرعا ، ففيه رياض الحكم وأنوارها ، وينابيع العلوم بل بحارها ، وأودية الحق
وغيطانه ، ومراتع العدل وغدرانه ، وهو الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين
يديه ، ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد .
( وبعد ) : فإن أحق الفضائل بالتعظيم ، وأسبقها في استحقاق التقديم ، هو
العلم إذ لا شرف إلا وهو نظامه ، ولا كرم إلا وهو ملاكه وقوامه ، ولا سيادة إلا وهو
ذروتها وسنامها ، ولا سعادة إلا وبه صحتها وقوامها ، به يكسب الانسان رفعة القدر ،
وعلو الأمر في حياته . ويحوز جزيل الأجر ، وجميل الذكر بعد وفاته . هو الصديق إذا
خان كل صديق ، والشفيق إذا لم يوثق بكل ناصح شفيق ، والعلماء ورثة النبيين ،
وسادة المسلمين ، والدعاة إلى الدين . وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه لنا الثقات
بالأسانيد الصحيحة مرفوعا إلى إمام الهدى ، وكهف الورى ، أبي الحسن علي بن
موسى الرضا عليه السلام ، عن آبائه سيد عن سيد ، وإمام عن إمام ، إلى أن اتصل به عليه
وآله السلام ، أنه قال :
طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة . فاطلبوا العلم من مظانه ، واقتبسوه
من أهله ، فإن تعلمه لله حسنة ، وطلبه عبادة ، والمذاكرة به تسبيح ، والعمل به
جهاد ، وتعليمه من لا يعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة إلى الله تعالى ، لأنه معالم
الحلال والحرام ، ومنار سبيل الجنة ، والمؤنس في الوحشة ، والمصاحب في الغربة
والوحدة ، والمحدث في الخلوة ، والدليل على السراء والضراء ، والسلاح على
الأعداء ، والزين عند الاخلاء ، يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة تقتبس
آثارهم ، ويقتدى بفعالهم ، وينتهى إلى آرائهم ، ترغب الملائكة في خلتهم ،
وبأجنحتها تمسحهم ، وفي صلاتها تبارك عليهم ، يستغفر لهم كل رطب ويابس حتى
حيتان البحر وهوامه ، وسباع البر وأنعامه .
إن العلم حياة القلوب من الجهل ، وضياء الأبصار من الظلمة ، وقوة الأبدان من
الضعف ، يبلغ بالعبد منازل الأخيار ، ومجالس الأبرار ، والدرجات العلى في الآخرة
والأولى . الذكر فيه يعدل بالصيام ، ومدارسته بالقيام ، به يطاع الرب ويعبد ، وبه
يوصل الأرحام ، ويعرف الحلال والحرام . العلم إمام العمل ، والعمل تابعه ، يلهمه
السعداء ، ويحرمه الأشقياء ، فطوبى لمن لم يحرمه الله منه حظه . وفي أمثال هذا من
تفسير مجمع البيان — صفحة 32
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٢