قال أبو علي : وهو عندي جائز ، لأنه من المضمر الذي فهم للدلالة عليه . وأما
كونه خبرا للمبتدأ المحذوف فعلى أن تقديره فهم يتعلمون منهما ، وذلك غير ممتنع .
وقد قيل في قوله ( منهما ) : إن الضمير عائد إلى السحر ، والكفر ، قاله أبو مسلم ،
قال : لأنه تقدم الدليل عليها في قوله كفروا ، وهذا كقوله سبحانه : ( سيذكر من
يخشى ويتجنبها الأشقى ) أي : يتجنب الذكرى .
وقوله : ( ولقد علموا لمن اشتراه ) . قال الزجاج : دخول اللام على ( قد )
على جهة القسم والتوكيد . وقال النحويون في قوله ( لمن اشتراه ) قولين : جعل
بعضهم ( من ) بمعنى الشرط ، وجعل الجواب ( ما له في الآخرة من خلاق ) ، وهذا
ليس بموضع شرط وجزاء ، ولكن المعنى ولقد علموا الذي اشتراه ما له في الآخر من
خلاق ، كما تقول : والله لقد علمت للذي جاءك ما له من عقل . انتهى كلام
الزجاج .
وأقول : فموضع ( من ) رفع بالابتداء ، وموضع ( ما له في الآخرة من خلاق )
رفع على أنه خبر المبتدأ ، وهذا قول سيبويه . فاللام في قوله لمن اشتراه لام الابتداء
دون القسم ، لأن هذه اللام قد تكون تأكيدا لغير القسم ، واللام مع الجملة التي
بعدها في موضع نصب بعلموا ، كما أن الاستفهام كذلك في نحو علمت أزيد في
الدار أم عمرو ، وهذا هو المسمى تعليقا .
قال أبو علي : قول من قال إن من جزاء بعيد ، لأنه إذا كان جزاء فاللام في لمن
اشتراه سبب دخوله القسم كالتي في قوله ( ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما
تبعوا قبلتك ) ، ( ولئن شئنا لنذهبن ) ، فيقتضي ذلك قسما والقسم الذي يقتضيه قوله
( لمن اشتراه ) إذا حملت ( من ) على أنه جزاء ، لا يخلو من أن يكون علموا ، لأن
العلم والظن قد يقامان مقام القسم ، كما في قوله :
ولقد علمت لتأتين منيتي ، * إن المنايا لا تطيش سهامها
وقوله : ( وظنوا ما لهم من محيص ) ، أو يكون مضمرا بين قوله علموا ، وقوله :
( لمن اشتراه ) . ويبعد أن يكون علموا قسما ، وقوله لمن اشتراه جوابه هنا ، لأنه في
هذا الموضع محلوف عليه مقسم ، والمقسم عليه لا يكون قسما ، لأنه يلزم من هذا
أن يدخل قسم على قسم ، لأن في أول الكلام قسما ، وهو المضمر الجالب للام في
لقد ، فهذا هو القسم الأول . والثاني هو الذي يدخل عليه هذا القسم الأول
تفسير مجمع البيان — صفحة 325
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٢٥