على الكافرين ، فإنه هدى وبشرى للمؤمنين . وإنما خص الهدى بالمؤمنين من حيث
كانوا هم المهتدين به ، العاملين ( 1 ) بما فيه ، وإن كان هدى لغيرهم أيضا . وقيل :
أراد بالهدى الرحمة والثواب ، فلذلك خصه بالمؤمنين ، ومعنى البشرى أن فيه البشارة
لهم بالنعيم الدائم . وإن جعلت مصدقا ، وهدى ، وبشرى ، حالا لجبريل ، فالمعنى
أنه يصدق بكتب الله الأولى ، ويأتي بالهدى والبشرى . وإنما قال سبحانه ( على
قلبك ) ، ولم يقل على قلبي ، على العرف المألوف ، كما تقول لمن تخاطبه : لا
تقل للقوم إن الخبر عندك ، ويجوز أن تقول لا تقل لهم إن الخبر عندي ، وكما تقول
قال القوم جبريل عدونا . ويجوز أن تقول قالوا جبريل عدوهم .
وأما قوله تعالى : ( من كان عدوا لله وملائكته ورسله ) فمعناه : من كان معاديا
لله ، أي : يفعل فعل المعادي من المخالفة والعصيان ، فإن حقيقة العداوة طلب
الاضرار به ، وهذا يستحيل على الله تعالى . وقيل : المراد به معاداة أوليائه كقوله
( إن الذين يؤذون الله ) . وقوله ( وملائكته ) أي : ومعاديا لملائكته ورسله ( وجبريل
وميكال ) . وإنما أعاد ذكرهما لفضلهما ومنزلتهما ، كقوله تعالى : ( فيهما فاكهة
ونخل ورمان ) . وقيل : إنما أعاد ذكرهما لأن اليهود قالت : جبريل عدونا ، وميكائيل
ولينا . فخصهما الله بالذكر ، لأن النزاع جرى فيهما فكان ذكرهما أهم ، ولئلا تزعم
اليهود أنهما مخصوصان من جملة الملائكة ، وليسا بداخلين في جملتهم ، فنص الله
تعالى عليهما ليبطل ما يتأولونه من التخصيص .
ثم قال : ( فإن الله عدو للكافرين ) ولم يقل فإنه . وكرر اسم الله لئلا يظن أن
الكناية راجعة إلى جبرائيل . أو ميكائيل ، ولم يقل لهم ، لأنه قد يجوز أن ينتقلوا عن
العداوة بالإيمان . وقد طعن بعض الملحدة في هذا ، فقال : كيف يجوز أن يقول
عاقل أنا عدو جبريل ؟ وليس هذا القول من اليهود بمستنكر ولا عجب ، مع ما أخبر
الله تعالى عن قولهم ، بعد مشاهدتهم فلق البحر ، والآيات الخارقة للعادة : ( اجعل
لنا إلها كما لهم آلهة ) ، وقولهم : ( أرنا الله جهرة ) ، وعبادتهم العجل ، وغير ذلك
من جهالاتهم .
( ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون ( 99 ) ) .
هامش
( 1 ) وفي جملة من النسخ : " العالمين " بدل " العاملين " .