مقامه ، وهو قوله ( من الذين أشركوا ) فليجز على ما ذهب إليه الجبائي ، أن يكون
تقديره : ومن الذين أشركوا طائفة يود أحدهم ، فيحذف الموصوف ، ويقام صفته
الذي هو ( يود أحدكم لو يعمر ألف سنة ) مقامه ، فيصح على هذا تقدير الحذف ،
ويستوي القولان من حيث الصورة والصفة ، ويختلفان من حيث المعنى ، ويكون من
هنا هي الموصوفة لا الموصولة كما قدره الجبائي .
وقوله : ( يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ) ذكر الألف لأنها نهاية ما كانت
المجوس يدعو به بعضهم لبعض ، وتحيى به الملوك ، يقولون : عش ألف نوروز
وألف مهرجان . قال ابن عباس : هو قول أحدهم لمن عطس : ( هزار سال بزي ) .
يقال : فهؤلاء الذين يزعمون ( 1 ) أن لهم الجنة لا يتمنون الموت ، وهم أحرص ممن لا
يؤمن بالبعث . وكذلك يجب أن يكون هؤلاء ، لعلمهم بما أعد الله لهم في الآخرة من
الجحيم ، والعذاب الأليم ، على كفرهم وعنادهم ، مما لا يقر به أهل الشرك . فهم
للموت أكره من أهل الشرك الذين لا يؤمنون بالبعث ، وعلى الحياة أحرص لهذه
العلة .
وقوله : ( وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر ) أي : وما أحدهم بمنجيه من
عذاب الله ، ولا بمبعده منه تعميره ، وهو أن يطول له البقاء ، لأنه لا بد للعمر من
الفناء . هذا هو أحسن الوجوه التي تقدم ذكرها . ( والله بصير بما يعملون ) أي :
عليم بأعمالهم ، لا يخفى عليه شئ منها ، بل هو محيط بجميعها ، حافظ لها ، حتى
يذيقهم بها العذاب .
وفي هذه الآية دلالة على أن الحرص على طول البقاء لطلب الدنيا ونحوه
مذموم ، وإنما المحمود طلب البقاء للازدياد في الطاعة ، وتلافي الفائت بالتوبة
والإنابة ، ودرك السعادة بالإخلاص في العبادة ، وإلى هذا المعنى أشار أمير
المؤمنين عليه السلام في قوله : ( بقية عمر المؤمن لا قيمة له يدرك بها ما فات ، ويحيي بها
ما أمات ) .
( قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا
هامش
( 1 ) وفي نسخنا المخطوطة : ( يدعون ) بدل ( يزعمون ) .