وتكذيب الكتاب والرسول ، عن الحسن ، وأبي مسلم . وقيل : بما كتموا من
صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، عن ابن جريج . وأضاف ذلك إلى اليد ، وإن كانوا إنما فعلوا
ذلك باللسان ، لأن العرب تقول : هذا ما كسبت يداك ، وإن كان ذلك حصل
باللسان . والوجه فيه أن الغالب أن تحصل الجناية باليد ، فيضاف بذلك إليها ما
يحصل بغيرها .
وقوله : ( والله عليم بالظالمين ) خصص الظالمين بذلك ، وإن كان عليما بهم
وبغيرهم ، بأن الغرض بذلك الزجر والتهديد ، كما يقول الانسان لغيره : إني عارف
بصير بعملك . وقيل : معناه إن الله عليم بالأسباب التي منعتهم عن تمني الموت ،
وبما أضمروه وأسروه من كتمان الحق عنادا ، مع علم كثير منهم أنهم مبطلون .
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أنه قال : " لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ، ولرأوا
مقاعدهم من النار ، فقال الله سبحانه إنهم لن يتمنوه أبدا تحقيقا لكذبهم " . وفي ذلك
أعظم دلالة على صدق نبينا وصحة نبوته ، لأنه أخبر بالشئ قبل كونه ، فكان كما
أخبر . وأيضا فإنهم كفوا عن التمني للموت ، لعلمهم بأنه حق ، وأنهم لو تمنوا
الموت لماتوا . وروى الكلبي عن ابن عباس أنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول
لهم : " إن كنتم صادقين في مقالتكم ، فقولوا اللهم أمتنا ، فوالذي نفسي بيده ، لا
يقولها رجل إلا غص بريقه ( 1 ) فمات مكانه " . وهذه القصة شبيهة بقصة المباهلة ، وأن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما دعا النصارى إلى المباهلة ، امتنعوا لقلة ثقتهم بما هم عليه ،
وخوفهم من صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله : ( لو باهلوني لرجعوا لا يجدون أهلا ولا
مالا " فلما لم يتمن اليهود الموت افتضحوا ، كما أن النصارى لما أحجموا عن المباهلة
افتضحوا ، وظهر الحق .
فإن قيل : من أين علمتم أنهم لم يتمنوا الموت بقلوبهم ؟ فالجواب : إن من
قال التمني هو القول ، فالسؤال ساقط عنه . ومن قال هو معنى في القلب ، قال :
لو تمنوه بقلوبهم لأظهروه بألسنتهم ، حرصا منهم على تكذيبه في اخباره ، ولأن
تحديهم بتمني الموت إنما وقع بما يظهر على اللسان ، وكان يسهل عليهم أن يقولوا
ليت الموت نزل بنا . فلما عدلوا عن ذلك ، ظهر صدقه صلى الله عليه وآله وسلم ووضحت حجته .
هامش
( 1 ) غص بريقه : اعترض في حلقه .