وقيل : معنى تولوا فعلوا الإعراض . وهم معرضون أي : مستمرون على ذلك .
وفي هذه الآية دلالة على ترتيب الحقوق : فبدأ الله سبحانه بذكر حقه ، وقدمه
على كل حق ، لأنه الخالق المنعم بأصول النعم . ثم ثنى بحق الوالدين ، وخصهما
بالمزية لكونهما سببا للوجود ، وانعامهما بالتربية . ثم ذكر ذوي القربى ، لأنهم أقرب
إلى المكلف من غيرهم . ثم ذكر حق اليتامى لضعفهم ، والفقراء لفقرهم .
( وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من
دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ( 84 ) ) .
اللغة : السفك : الصب . سفكت الدم أسفكه سفكا . وواحد الدماء :
دم ، وأصله دمي في قول أكثر النحويين . ودليل من قال إن أصله دمي قول
الشاعر ( 1 ) :
فلو أنا على حجر ذبحنا ، * جرى الدميان بالخبر اليقين
وقال قوم : أصله دمي إلا أنه لما حذف ورد إليه ما حذف منه ، حركت الميم
لتدل الحركة على أنه استعمل محذوفا والنفس : مأخوذة من النفاسة وهي الجلالة .
فنفس الانسان : أنفس ما فيه والدار : هي المنزل الذي في أبنية المقام بخلاف منزل
الارتحال . وقال الخليل : كل موضع حله قوم ، فهو دار لهم ، وإن لم يكن فيه
أبنية . والإقرار : الاعتراف . والشهادة : أخذ من المشاهدة وهو الإخبار عن الشئ
بما يقوم مقام المشاهدة في المعرفة .
الاعراب : تقدير الإعراب في هذه الآية مثل الذي قلناه في الآية الأولى
على السواء .
المعنى : ثم عطف سبحانه على ما تقدم من الاخبار عن اليهود بنقض
المواثيق والعهود ، بقوله : ( وإذ أخذنا ميثاقكم ) أي : ميثاق أسلافكم الذين
كانوا في زمن موسى والأنبياء الماضين ، صلوات الله على نبينا وعليهم
أجمعين . وإنما أضاف الميثاق إليهم لما كانوا أخلافا لهم على ما سبق الكلام
فيه . وقوله : ( لا تسفكون دماءكم ) معناه : لا يقتل بعضكم بعضا ، لأن في
هامش
( 1 ) مر قبل فراجع .