ويدل على ذلك قولهم ما جاءني إلا زيد ، فلو كان لإلا ، أو لما يدل عليه عمل في
المستثنى ، لجاز نصب هذا ، كما أنك لو قلت : أستثني زيدا ، لنصبته .
فإن قيل : لا يجوز النصب هنا لأن الفعل يبقى فارغا بلا فاعل ؟ قيل : فهلا
ذلك امتناع هذا من الجواز على أن ما بعد ( إلا ) متصل بما قبلها ، وأنه ليس لإلا فيه
عمل ، ولا أثر ، إلا ما يدل عليه من معنى الاستثناء !
المعنى : ثم عاد سبحانه إلى ذكر بني إسرائيل ، فقال : ( و ) اذكروا ( إذ
أخذنا ميثاق بني إسرائيل ) أي : عهدهم . وقيل : الميثاق الأدلة من جهة العقل
والشرع . وقيل : هو مواثيق الأنبياء على أممهم . والعهد والميثاق لا يكون إلا
بالقول ، فكأنه قال : أمرناهم ، ووصيناهم ، وأكدنا عليهم ، وقلنا لهم : والله
( لا تعبدون ) إذا حملناه على جواب القسم ، وإذا حملناه على الحال ، أو
على أن معناه الأمر ، فكما قلناه قبل . وإذا حملناه على حذف أن ، فتقديره :
وإذ أخذنا ، ميثاق بني إسرائيل بأن لا تعبدوا ( إلا الله ) وحده دون ما سواه من
الأنداد ، وبان تحسنوا إلى ( الوالدين إحسانا ) . والإحسان الذي عليهم الميثاق
بأن يفعلوه إلى الوالدين هو ما فرض على أمتنا أيضا من فعل المعروف بهما ،
والقول الجميل ، وخفض جناح الذل لهما ، والتحنن عليهما ، والرأفة بهما ،
والدعاء بالخير لهما ، وما أشبه ذلك .
وقوله ( وذي القربى ) أي وبذي القربى أن تصلوا قرابته ورحمه . ( واليتامى )
أي : وباليتامى أن تعطفوا عليهم بالرأفة والرحمة ( والمساكين ) أي : وبالمساكين أن
تؤتوهم حقوقهم التي أوجبها الله عليهم في أموالهم .
وقوله : ( وقولوا للناس حسنا ) فيه عدول إلى الخطاب بعد الخبر ، وإنما
استجازت العرب ذلك ، لأن الخبر إنما كان عمن خاطبوه بعينه ، لا عن غيره . وقد
يخاطبون أيضا ثم يصيرون بعد الخطاب إلى الخبر ، فمثال الأول قول عنترة :
شطت مزار العاشقين فأصبحت * عسرا علي طلابك ابنة مخرم ( 1 )
ومثال الثاني قول كثير عزة :
أسيئي بنا ، أو أحسني ، لا ملومة * لدينا ، ولا مقلية إن تقلت
هامش
( 1 ) وفي المحكي عن ( شرح الزوزني ) : " حلت بأرض الزائرين فأصبحت " ولعل هذا أنسب .