الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما .
المعنى : لما عم الله تعالى جميع الخلق بالحجج الواضحة على
توحيده ، وذكرهم ما أنعم به عليهم في أبيهم آدم عليه السلام خص بني إسرائيل
بالحجج ، وذكرهم ما أسدى إليهم وإلى آبائهم من النعم ، فقال : ( يا بني إسرائيل )
يعني يا بني يعقوب ، نسبهم إلى الأب الأعلى ، كما قال : يا بني آدم ! والخطاب
لليهود والنصارى . وقيل : هو خطاب لليهود الذين كانوا بالمدينة وما حولها ، عن ابن
عباس . ( اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ) : أراد بذلك النعم التي أنعم بها على
أسلافهم من كثرة الأنبياء فيهم ، والكتب ، وإنجائهم من فرعون ومن الغرق ، على
أعجب الوجوه ، وإنزال المن والسلوى عليهم ، وكون الملك فيهم في زمن
سليمان عليه السلام وغير ذلك .
وعد النعمة على آبائهم نعمة عليهم ، لأن الأولاد يتشرفون بفضيلة الآباء ، وهذا
كما يقال في المفاخرة : قتلناكم يوم الفجار ، وهزمناكم يوم ذي قار ، وغلبناكم يوم
النسار . وذكر النعمة بلفظ الواحد ، والمراد بها الجنس ، كقوله تعالى ( وإن تعدوا
نعمة الله لا تحصوها ) والواحد لا يمكن عده . وقيل : المراد بها النعم الواصلة إليهم
مما اختصوا به دون آبائهم ، واشتركوا فيه مع آبائهم ، فكان نعمة على الجميع ، فمن
ذلك تبقية آبائهم حتى تناسلوا ، فصاروا من أولادهم ، ومن ذلك خلفه إياهم على
وجه يمكنهم معه الاستدلال على توحيده ، والوصول إلى معرفته ، فيشكروا نعمه ،
ويستحقوا ثوابه . ومن ذلك ما يوصل إليهم حالا بعد حال من الرزق ، ويدفع عنهم
من المكاره والأسواء ، وما يسبغ عليهم من نعم الدين والدنيا .
فعلى القول الأول : تكون الآية تذكيرا بالنعم عليهم في أسلافهم ، وعلى القول
الثاني تكون تذكيرا بالمنعم عليهم ، ومن النعم على أسلافهم ما ذكره في قوله : ( وإذ
قال موسى لقومه يا قومي اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا
وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ) وقال ابن الأنباري : أراد اذكروا ما أنعمت به
عليكم فيما استودعتكم من علم التوراة ، وبينت لكم من صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ،
وألزمتكم من تصديقه واتباعه ، فلما بعث ولم يتبعوه كانوا كالناسين لهذه النعمة .
وقوله : ( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) قيل فيه وجوه أحدها : إن هذا العهد
هو أن الله تعالى عهد إليهم في التوراة أنه باعث نبيا يقال له محمد ، فمن تبعه كان له
تفسير مجمع البيان — صفحة 183
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٨٣