إبليس له كفر . وقال الحسن : يريد بني آدم ، وبني إبليس ، وليس ذلك بأمر ، بل
هو تحذير ، يعني إن الله تعالى لا يأمر بالعداوة ، فالأمر مختص بالهبوط والمعاداة
يجري مجرى الحال ، لأن الظاهر يقتضي أنه أمرهما بالهبوط في حال عداوة بعضهم
بعضا .
فأما على الوجه الذي يتضمن أن الخطاب يختص بآدم وحواء ، فالمراد به : إن
ذريتهما يعادي بعضهم بعضا . وعلق الخطاب بهما للاختصاص بين الذرية ، وبين
أصلها . وقوله : " ولكم في الأرض مستقر " أي : مقر ومقام وثبوت ، بأن جعل
الأرض قرارا لكم ( ومتاع ) أي : استمتاع ( إلى حين ) إلى وقت الموت . وقيل :
إلى يوم القيامة . وقيل : إلى فناء الآجال أي : كل امرئ ( 1 ) مستقر إلى فناء أجله .
وقال أبو بكر السراج : لو قال ولكم في الأرض مستقر ومتاع ، لظن أنه غير منقطع ،
فقال : ( إلى حين ) أي : إلى حين انقطاعه . والفرق بين قول القائل إن هذا لكم
حينا ، وبين قوله إلى حين أن إلى يدل على الانتهاء ، ولا بد أن يكون له ابتداء ،
وليس كذلك الوجه الآخر . وفي هذه الآية دلالة على أن الله تعالى لا يريد المعصية ،
ولا يصد أحدا عن الطاعة ، ولا يخرجه عنها ، ولا يسبب المعصية لأنه نسب ذلك إلى
الشيطان ، جل ربنا وتقدس عما نسبه إلى إبليس والشياطين ، ويدل أيضا على أن
لوسوسة إبليس تأثيرا في المعاصي .
( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم ( 37 ) ) .
القراءة : قرأ ابن كثير : " آدم " بالنصب ، و " كلمات " بالرفع . وقرأ
الباقون : برفع ( آدم ) ، ونصب ( كلمات ) .
الحجة : حجة ابن كثير في نصب ( آدم ) أنه في المعنى كالقراءة
الأخرى . فإن الأفعال المتعدية على ثلاثة أضرب : منها ما يجوز فيه أن يكون
الفاعل له مفعولا به ، والمفعول فاعلا ، نحو : ضرب زيد عمرا . ومنها ما لا
يجوز ذلك فيه ، نحو : أكلت الخبز ونحوه . ومنها : ما يكون إسناده إلى الفاعل
في المعنى كإسناده إلى المفعول به ، نحو : نلت وأصبت وتلقيت تقول نالني
هامش
( 1 ) وفي نسختين مخطوطتين ( امر ) بدل " امرئ " ولعله أنسب .