الشجرة ، وكان بالتناول منها تاركا نفلا وفضلا ولم يكن فاعلا لقبيح ، فإن
الأنبياء عليهم السلام لا يجوز عليهم القبائح ، لا صغيرها ولا كبيرها . وقالت المعتزلة : كان
ذلك صغيرة من آدم عليه السلام على اختلاف بينهم في أنه وقع منه على سبيل العمد أو
السهو ، أو التأويل . وإنما قلنا : إنه لا يجوز مواقعة الكبائر على الأنبياء عليهم السلام ، من
حيث إن القبيح يستحق فاعله به الذم والعقاب ، لأن المعاصي عندنا كلها كبائر ،
وإنما تسمى صغيرة بإضافتها إلى ما هو أكبر عقابا منها ، لأن الإحباط قد دل الدليل
عندنا على بطلانه ، وإذا بطل ذلك فلا معصية إلا ويستحق فاعلها الذم والعقاب ، وإذا
كان الذم والعقاب منفيين عن الأنبياء عليهم السلام ، وجب أن ينتفي عنهم سائر الذنوب ،
ولأنه لو جاز عليهم شئ من ذلك لنفر عن قبول قولهم . والمراد بالتنفير أن النفس إلى
قبول قول من لا تجوز عليه شيئا من المعاصي أسكن منها إلى قول من يجوز عليه
ذلك ، ولا يجوز عليهم كل ما يكون منفرا عنه من الخلق المشوهة ، والهيئات
المستنكرة . وإذا صح ما ذكرناه علمنا أن مخالفة ادم عليه السلام لظاهر النهي كان على
الوجه الذي بيناه .
واختلف في الشجرة التي نهي عنها آدم ، فقيل : هي السنبلة ، عن ابن
عباس وقيل : هي الكرمة ، عن ابن مسعود والسدي . وقيل : هي التينة ، عن ابن
جريج . وقيل : هي شجرة الكافور يروى عن علي عليه السلام . وقيل : هي شجرة العلم ،
علم الخير والشر ، عن الكلبي . وقيل : هي شجرة الخلد التي كانت تأكل منها
الملائكة ، عن ابن جذعان .
وقوله ( فتكونا من الظالمين ) أي : تكونا بأكلها من الظالمين لأنفسكما ، ويجوز
أن يقال لمن بخس نفسه الثواب إنه ظالم لنفسه ، كقوله تعالى حكاية عن أيوب ( إني
كنت من الظالمين ) حيث بخس نفسه الثواب بترك المندوب إليه . واختلفوا هل كان
يجوز ابتداء الخلق في الجنة : فجوز البصريون من أهل العدل ذلك ، قالوا : يجوز
أن ينعمهم الله في الجنة مؤبدا ، تفضلا منه ، لا على وجه الثواب ، لأن ذلك نعمة
منه تعالى ، كما أن خلقهم وتعريضهم للثواب نعمة . وقال أبو القاسم البلخي : لا
يجوز ذلك لأنه لو فعل ذلك لا يخلو إما أن يكونوا متعبدين بالمعرفة أو لا يكونوا
كذلك ، فلو كانوا متعبدين لم يكن بد من ترغيب وترهيب ، ووعد ووعيد ، وكان
يكون لا بد من دار أخرى يجازون فيها ويخلدون . وإن كانوا غير متعبدين كانوا
تفسير مجمع البيان — صفحة 169
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٦٩