يكون مصدرا وضع موضع الحال من قوله كلا . قال الخليل : يقال قوم رغد ،
ونساء رغد ، وعيش رغد ورغيد . قال امرؤ القيس :
بينما المرء تراه ناعما * يأمن الأحداث في عيش رغد
فعلى هذا يكون تقديره : وكلا منها متوسعين في العيش . و ( حيث ) : مبني
على الضم كما تبنى الغاية نحو من قبل ، ومن بعد ، لأنه منع من الإضافة إلى مفرد ،
كما منعت الغاية من الإضافة . وإنما يأتي بعده جملة اسمية أو فعلية في تقدير
المضاف إليه . ( ولا تقربا ) : مجزوم بالنهي . والألف : ضمير الفاعلين ، وقوله
( فتكونا ) : يحتمل أمرين : أحدهما : أن يكون جوابا للنهي فيكون منصوبا بإضمار
أن ، وأن مع الفعل في تأويل اسم مفرد ، وإذا قدر إضمار أن بعد الفاء كان ذلك عطفا
على مصدر الفعل المتقدم ، فيكون تقديره لا يكون منكما قرب لهذه الشجرة فتكونا
من الظالمين . فيكون الكلام جملة واحدة لأن المعطوف يكون من جملة المعطوف
عليه ، وإنما سميناه جوابا لمشابهته الجزاء في أن الثاني سببه الأول ، لأن معنى
الكلام ان تقربا هذه الشجرة تكونا من الظالمين . والثاني : أن يكون معطوفا على
النهي ، فيكون مجزوما ، وتكون الفاء عاطفة جملة على جملة ، فكأنه قال : فلا تكونا
من الظالمين .
المعنى : ثم ذكر سبحانه ما أمر به آدم عليه السلام بعد أن أنعم عليه بما أختصه من
العلوم لما أوجب له به من الإعظام ، وأسجد له الملائكة الكرام ، فقال عز اسمه
( وقلنا ) وهذه نون الكبرياء والعظمة ، لا نون الجمع ( يا آدم اسكن أنت وزوجك
الجنة ) أي : اتخذ أنت وامرأتك الجنة مسكنا ومأوى لتأوي إليه ، وتسكن فيه أنت
وامرأتك . واختلف في هذا الأمر فقيل : إنه أمر تعبد ، وقيل : هو إباحة ، لأنه ليس
فيه مشقة ، فلا يتعلق به تكليف وقوله ( وكلا ) إباحة ، وقوله ( ولا تقربا ) تعبد
بالاتفاق . وروي عن ابن عباس ، وابن مسعود : إنه لما أخرج إبليس من الجنة .
ولعن ، وبقي آدم وحده ، استوحش ، إذ ليس معه من يسكن إليه ، فخلقت حواء
ليسكن إليها . وروي أن الله تعالى ألقى على آدم النوم ، وأخذ منه ضلعا ، فخلق منه
حواء ، فاستيقظ آدم فإذا عند رأسه امرأة ، فسألها : من أنت ؟ قالت : امرأة . قال :
لم خلقت ؟ قالت : لتسكن إلي . فقالت الملائكة : ما اسمها يا آدم ؟ قال : حواء .
قالوا : ولم سميت حواء ؟ قال : لأنها خلقت من حي . فعندها قال الله تعالى ( اسكن
تفسير مجمع البيان — صفحة 167
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٦٧