أنت وزوجك الجنة ) .
وقيل : إنها خلقت قبل أن يسكن آدم الجنة ، ثم أدخلا معا الجنة . وفي كتاب
النبوة أن الله تعالى خلق آدم من الطين ، وخلق حواء من آدم ، فهمة الرجال الماء
والطين ، وهمة النساء الرجال . قال أهل التحقيق : ليس يمتنع أن يخلق الله حواء من
جملة جسد آدم ، بعد أن لا يكون مما لا يتم الحي حيا إلا معه ، لأن ما هذه صفته لا
يجوز أن ينقل إلى غيره ، أو يخلق منه حي آخر ، من حيث يؤدي إلى أن لا يمكن
إيصال الثواب إلى مستحقه ، لأن المستحق لذلك هو الجملة بأجمعها ، وإنما سميت
حواء لأنها خلقت من حي على ما ذكرناه قبل وقيل : لأنها أم كل حي .
واختلف في الجنة التي أسكن فيها آدم : فقال أبو هاشم : هي جنة من جنان
السماء غير جنة الخلد ، لأن جنة الخلد أكلها دائم ، ولا تكليف فيها . وقال أبو
مسلم : هي جنة من جنان الدنيا في الأرض . وقال إن قوله ( اهبطوا منها ) لا يقتضي
كونها في السماء ، لأنه مثل قوله ( اهبطوا مصرا ) . واستدل بعضهم على أنها لم تكن
جنة الخلد بقوله تعالى حكاية عن إبليس ( هل أدلك على شجرة الخلد ) فلو كانت
جنة الخلد ، لكان آدم عالما بذلك ، ولم يحتج إلى دلالة . وقال أكثر المفسرين ،
والحسن البصري ، وعمرو بن عبيد ، وواصل بن عطاء ، وكثير من المعتزلة كالجبائي
والرماني وابن الإخشيد : إنها كانت جنة الخلد ، لأن الألف واللام للتعريف ، وصارا
كالعلم عليها . قالوا : ويجوز أن تكون وسوسة إبليس من خارج الجنة من حيث
يسمعان كلامه . قالوا : وقول من يزعم أن جنة الخلد من يدخلها لا يخرج منها غير
صحيح ، لأن ذلك إنما يكون إذا استقر أهل الجنة فيها للثواب . فأما قبل ذلك ، فإنها
تفنى لقوله تعالى ( كل شئ هالك إلا وجهه ) .
وقوله ( وكلا منها رغدا ) أي : كلا من الجنة كثيرا واسعا لا عناء فيه ( حيث
شئتما ) من بقاع الجنة . وقيل : منها أي : من ثمارها إلا ما استثناه ( ولا تقربا هذه
الشجرة ) أي : لا تأكلا منها ، وهو المروي عن الباقر عليه السلام ، فمعناه : لا تقرباها
بالأكل . ويدل عليه أن المخالفة وقعت بالأكل بلا خلاف لا بالدنو منها ، ولذلك
قال : ( فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما ) . واختلف في هذا النهي فقيل : إنه نهي
التحريم . وقيل : إنه نهي التنزيه دون التحريم كمن يقول لغيره لا تجلس على
الطرق ، وهو قريب من مذهبنا ، فإن عندنا أن آدم كان مندوبا إلى ترك التناول من
تفسير مجمع البيان — صفحة 168
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٦٨